الثلاثاء، 22 يناير 2013 0 التعليقات

ما نريد .. وما لا نريد!




ما نريد .. وما لا نريد!
(إننا لسنا مكلَّفين بنقل تقاليد عبس وذبيان إلى أميركا واستراليا،
إننا مكلَّفون بنقل الاسلام وحسب!) الشيخ/ محمد الغزالي؛

     منذ تدفق موجات المد السلفي المخيف في البلدان العربية والإسلامية؛ اضطربت المعايير، واختلَّتْ الموازين، واختلط الحابل بالنابل ... خاصةً عندما تمدد هذا التيار في القرى والمدن، مدعوماً بأسلحة المال والإعلام والدعاية ومآرب أخرى؛ ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب!
لقد نجح رعاة الفكر السلفي ودعاته؛ في تقديم الإسلام في صورة تقشعر من هولها الجلود، وترتعد من قساوتها الفرائص، وتوْجل منها الوحوش، وتشيب منها الرءوس!
 أجلْ! إنه الفكر السلفي؛ الذي يدعو إلى اللفظية في العقيدة، والشكلية في العبادة، والسلبية في السلوك، والسطحية في التفكير، والحرفية في التفسير، والظاهرية في الفقه، والمظهرية في الحياة!
إنه الإسلام المقطّب الوجه، العبوس القمطرير، الذي لا يعرف غير العنف في الدعوة، والخشونة في المجادلة، والغلظة في التعامل، والفظاظة في الأسلوب!
إنه الفكر السلفي؛ الجامد كالصخر، الذي لا يعرف تعدد الآراء، ولا يعترف بتنوع الاجتهادات، ولا يقر إلاَّ بالرأي الواحد، والوجه الواحد، ولا يسمع للرأي الآخر، ولا للوجهة الأخرى، ولا يرى أحدهم أن رأيه صواب يحتمل الخطأ، وأن رأي غيره خطأ يحتمل الصواب، بلْ رأيه هو الصواب الذي لا يحتمل الخطأ، ورأي الآخرين هو الخطأ المحض الذي لا يحتمل الصواب!
إنه ا الفكر السلفي؛ الذي لا يعرف التسامح مع المخالفين في الدين، ولا يقبل الحوار مع المغايرين في الفكر، ولا يأذن بوجود للمعارضين في السياسة!
إنه الفكر السلفي؛ الذي ينظر بريبة إلى المرأة؛ فيدعو إلى حبسها في البيت، وحرمانها من العمل، ومن المشاركة في الدعوة والحياة الاجتماعية والسياسية.
إنه الفكر السلفي؛ الذي لا يعنيه العدالة في توزيع الثروة، وتوكيد قاعدة الشورى في الحكم، وعدم إقرار الحرية للشعب، وعدم مساءلة اللصوص الكبار عما سلفوه وما اقترفوه، وعدم تحذير الناس من الوقوع في براثن التبعية للقوى الأجنبية، لكي ينشغل الناس بالجدال في مماحكات جدلية، وفرعيات فقهية، وجزئيات خلافية في العبادات والمعاملات!
إنه الفكر السلفي؛ الذي يتوسَّع في مساحة التحريم، حتى يكاد يجعل الحياة مجموعة من المحرمات، والمحظورات!
إنه الفكر السلفي؛ المملوء بالأحقاد والضغائن، والمكتظ بالمؤامرات والدسائس، والمتعهِّد بتصدير ثقافة الكراهية!
إنه الفكر السلفي؛ الذي يتربص بالعلماء الدوائر، ويبحث عن الزلات، ويتتبع العورات، ويخوض في الأعراض، ويتاجر بالمصطلحات!
إنه الفكر السلفي؛ القابع في دهاليز الماضي، والمنقوش في كهوف التاريخ، والمحنَّط في مقابر عصور الانحطاط!
*   *   *
 الحق أقول: إننا لا نريد الإسلام "السلفي" المفخَّخ، ولا الفقه البدوي الجاف، ولا الفكر السلفي العقيم والمخيف، ولا الكتب السلفية الحامضة؛ التي تمضمض عليها الدهر واستنشق!
إننا لا نريد العقليات المستأجرة، ولا الأدمغة المستعمرة، ولا العصابات النفعية الزاحفة من صحراء نجد، ولا المليشيات التكفيرية الهاربة من كهوف "تورا بورا"!
 لكننا؛ نريد الاسلام الحنيف، الذي جعل الناس يدخلون في دين الله أفواجا.
إننا نريد فقه السنَّة الرشيد، الذي نشره أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وأئمة الهدى.
إننا نريد الفكر الاسلامي؛ الذي يدعو إلى إصلاح ذات البيْن، ويؤمن بالأخوة الانسانية الجامعة.
إننا نريد الفكر الاسلامي؛ الذي يؤمن بتعدد الآراء، ويسمح بتنوع الاجتهادات.
إننا نريد الفكر الاسلامي؛ الذي يؤلِّف بين القلوب، وينزع الأحقاد، ويطهرها من الشوائب.
إننا نريد الفكر الاسلامي؛ الذي يجمع الشتات، ويرد الخراف الضالة إلى حظيرة الإيمان.
 إننا نريد الفكر الاسلامي؛ الذي يدعو إلى فعل الخيرات، ويملأ النفوس بهجةً وسرورا.
إننا نريد الفكر الاسلامي؛ الذي ينشر المودة والتراحم، ويدعو بالتي هي أحسن.
 باختصــار؛ إننا نريد الفكر الاسلامي؛ الذي كان سائداً في عصر الصحابة!


الجمعة، 23 نوفمبر 2012 0 التعليقات

المادة (219) إسفين فتنة وتأجيج للصراعات واستقواء بالخارج

المادة (219) إسفين فتنة وتأجيج للصراعات واستقواء بالخارج

تعني المادة (219) العمل بمبادئ الشريعة الإسلامية وتشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة. وتعتبر هذه المادة هي المادة المفسرة للمادة الثانية من الدستور والتي تنص:"الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع".
 إن المادة (219) بهذا المعنى تعني العمل بالنصوص التشريعية للمذهب السني بأدلته الكلية التي تستنبط من النصوص أو تحمل عليها بالقياس والإجماع، أو بالاعتماد على مختلف الأمارات والقواعد الفقهية، وضروب السياقات اللفظية ومفاهيم الموافقة والمخالفة وغيرها. وهي بذلك تعمل  – إن صحت النوايا - وفق الفقه الإسلامي بما يحتويه من ثروة تشريعية ندر مثلها، وتنظم في إطار الأحكام الخمسة:(إيجابا، وتحريما، وكراهة، وندبا، وإباحة) مساحات شاسعة من العبادات والمعاملات والعلاقات والسلوكيات الفردية والجماعية، وقوانين التجارة والاقتصاد، والقضاء والحروب، وهو ما يجعل الفقه الإسلامي أكثر قابلية للحياة المتجددة عبر الحقب، إذا تتبعته بالتطوير والتشذيب والتهذيب عقول نيرة وأفئدة صادقة مخلصة.
إلا أن المادة (219) تعتورها شوائب متعلقة بالخلاف بين مذاهب أهل السنة أولا، والاختلاف داخل المذهب السني الواحد ثانيا، مما يجعل العمل ببعض بنودها في شكلها الحالي محل نظر إذا ما أريد تطبيقها في جمهورية مصر العربية.
هذه المعضلة تنتصب عائقا في أغلب حالات التشريع النصي، تنتصب في مجال الاجتهاد وميدان القضاء وساحة الفتوى، وفضاءات تدبير الشأن العام، كما يذر قرنها عند التقعيد للأصول والفروع ومناهج الاستنباط، وأحكام العبادات والمعاملات.
هذه الإشكالية هي التي حملت السلاطين المماليك حكام مصر والشام - على سبيل المثال - على اتخاذ قاض لكل مذهب في كل ولاية، ومنبر للصلاة خاص بكل طائفة، فكان الحرم المكي حينئذ تعاد فيه الصلاة الواحدة بعدد المذاهب الوافدة إليه، مالكية وحنفية وشافعية وحنبلية وإمامية وإباضية..
نفس الإشكال يبرز بحدة في مجال التشريع لدى مصر باعتبارها دولة إسلامية سنية المذهب والمعروف أنه ينقسم بدوره إلى أربعة أقسام حنفي وشافعي ومالكي وحنبلي ، إذ يتعذر الاتفاق على حكم واحد لكثير من القضايا الخلافية التي يراد التشريع لها، لأن مصادر الخلاف والاختلاف تتجلى في كافة مفاصل تشريع أهل هذه المذاهب السنية الأربعة.
تتجلى أولا في مناهج التعامل مع القرآن الكريم وتفسيره،لا سيما وقد اتخذ كل مذهب من فهمه للقرآن أداة لنقض اجتهادات غيره، ملتمسا الحجة التي تؤيد رأيه وتعزز اجتهاده، فاتسعت شقة التنافي بين التشريعات، ونشأ بين المدارس التشريعية الإسلامية ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح " التهادم التشريعي "؛ وصار لكل مذهب تفسيره التشريعي الخاص به لا يرجع معه إلى غيره:فالحنفية من تفاسيرها التشريعية " أحكام القرآن " لأبي بكر أحمد بن على الرازي الجصاص.والمالكية ترجع ل" أحكام القرآن " لأبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري الإشبيلي.والحنابلة ترجع ل" الإكليل في المتشابه والتنزيل" لأحمد بن تيمية.والشافعية ترجع ل" أحكام القرآن " لأبي الحسن الطبري (الكيا الهراسي) .
أما مجال الحديث النبوي فالاختلاف فيه أكثر من أن يحصر، وعلى رغم أن جهابذة من العلماء قد حرروا غوامضه ودقائقه، وأفذاذا من المحدثين في كل عصر قد بذلوا من الجهود المضنية ما قربه للإفهام وميز أسانيده صحيحها من عليلها، وقويها من سقيمها، فإن الخلاف فيه ما زالت شقته متسعة، والأحكام التشريعية المستندة إلى كثير من نصوصه لدى المذاهب مختلفة متهادمة تأصيلا وتفريعا.
أنا لا أزعم لنفسي حق نقض هذه الاجتهادات المتعارضة، ولا القدرة والجرأة على ذلك، فكل مجتهد إن صدقت نيته له أجره مصيبا أو مخطئا، كما ورد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم، لكن الهدف من الإشارة إلى هذه الحالة التشريعية هو التنبيه إلى تأثيرها في نظام جمهورية مصر العربية باعتبارها دولة إسلامية جامعة.
كذلك زاد اختلاف طرق الاستنباط من نصوص الكتاب والسنة، أمر التشريع النصي إشكالا وتعقيدا. فقد كان الإمام مالك يسير على نهج خاص به في الأخذ من الكتاب والسنة بالاستناد إلى عمل أهل المدينة والإجماع، وعلى ما اشترطه في رواية الحديث من ضرورة أن يصحبه عمل، وألا يخالف عمل أهل المدينة، وعلى قبوله المرسل ، مرسل التابعي وتابعي التابعي بإطلاق.
أما الإمام أبو حنيفة فمنهجه الكتاب والسنة وما أجمع عليه الصحابة، فإن لم يجمعوا تخير من آرائهم لا يخرج عنها، ولا يأخذ برأي التابعي وتابعي التابعي لأنه يراهم رجالا مثله، كما كان له أسلوبه في الأخذ بالقياس والاستحسان واعتبار العام قطعيا لا يخصصه إلا قطعي أو خبر مشهور، فإن خصص بأحدهما صار ظنيا، أما أحاديث الآحاد فكان يشترط فيها إلى جانب الثقة بالراوي وعدالته ألا يخالف عمله روايته، كشأن رده رواية أبي هريرة في الكلب إذا ولغ في إناء أحد أن يغسله سبعا إحداهن بالتراب، لأن الراوي أبا هريرة كان لا يعمل به، أما المرسل فمقبول عنده سواء كان مرسلا للتابعي أو تابعي التابعي.
أما الإمام الشافعي الذي هو أول من صنف قواعد الاستنباط ورتبها ورسم معالمها، فقد كان يرد الاستحسان ولا يأخذ بالمصالح المرسلة، ويعد العمل بهما تشريعا بغير ما أنزل الله، ولا يأخذ من أخبار الآحاد إلا ما استوفى شروط الرواية الصحيحة، ويشترط في المرسل أن يكون تابعيه قد لقي كثيرا من الصحابة كسعيد بن المسيب في المدينة والحسن البصري في العراق، ولا يأخذ مرسل تابعي التابعي.
أما المذهب الحنبلي فيتميز بالتشدد والحرفية في تناول الكتاب والسنة والإجماع، والفرار من الرأي والحيل الشرعية والاستحسان، واجتناب القياس إلا عند الضرورة القصوى، وتفضيل أخبار الآحاد ولو ضعيفة على القياس.
فإذا أضفنا إلى هذه المعضلة، معضلة أخرى هي اختلاف الأحكام التشريعية داخل المذهب الواحد ما بين أقوال مؤسسه وأقوال فقهائه ومجتهديه، ازدادت شقة الابتعاد عن الوحدة التشريعية اتساعا. ولئن سعى كل مذهب إلى محاولة وضع مقاييس للترجيح بين الآراء داخله، فإن الإجماع على رأي واحد بقي متعذرا لا يحسم أمر الوحدة التشريعية مطلقا، ولو على صعيد المذهب الواحد.
إن هذا الارتباك التشريعي سوف تواجهه جمهورية مصر العربية إذا ما طبقت المادة (219) وتظهر آثاره الخطيرة جلية في كثير من الأحكام الشرعية التي يمكن أن تصوغها وتلزم بها، لاسيما المتعلقة منها بالدماء والأموال والحقوق.
فالرجل إذا قتل لقيطا يستوفي الإمام من قاتله القصاص عند أبي حنيفة، ولا يستوفى منه عند الشافعي.
والمرأة إذا زنت بصبي أو مجنون لا حد عليها عند أبي حنيفة ويقام عليها الحد عند غيره.
وفي حال غيبة الزوج عن زوجته يؤقت مالك للغائب بأربع سنوات ، ثم تطلق عليه الزوجة. أما أبو حنيفة فلا يفرق بين الزوج وزوجته بالغيبة، لقوله صلى الله عليه وسلم في أرملة المفقود:" إنها امرأته حتى يأتيها البيان " ولقول علي رضي الله عنه:" هي امرأة ابتليت فلتصبر حتى يستبين موت أو طلاق "، ولأن القضاء على الغائب وللغائب لا يجوز.
وشهادة الأطفال تقبل في الجراح والقتل ولا تقبل في الأموال لدى البعض، ولا تقبل عند غيرهم في الجميع ، والمالكية في ذلك على ثلاثة أقوال: الجواز لمالك، والمنع لابن عبد الحكم ، والجواز في الجراح دون القتل لأشهب ، وعند ابن أبي ليلى تجوز في الجراحات وتمزيق الثياب التي تكون بين الأطفال في الملاعب ما لم يتفرقوا . والمنع الأصل . وإليه ذهب الشافعي وأبو حنيفة . والجواز لعله للاضطرار، إذ لو لم تقبل شهاداتهم لأدّى ذلك إلى هدر جنايات كثيرة،  والقول بالجواز مقيد بأحد عشر شرطاً مفصلة في كتب فقه المالكية . وعن أحمد رواية أنها لا تقبل ، ورواية أنها تقبل في الجراح إِذا كان الأطفال اجتمعوا لأمر مباح ، وقبل أن يتفرقوا . ورواية ثالثة أنها تقبل في كل شيء.وغير ذلك الكثير الذي لا يمكن حصره.
إن الاختلاف في استنباط الأحكام لم يكن في بداية ظهوره سببا في النزاع أو الفرقة والانقسام، بل كان عبادة ووسيلة إلى البحث عن الحق، ثم صار مرآة تنعكس عليها مبادئ الإسلام التي تكرس السماحة والمرونة وقواعد الحرية الفكرية والحوار المنتج، إلا أنه مع ما آل إليه أمر المجتمع الإسلامي من تخلف، أضحى إسفينا لشق الوحدة وبث الفرقة والتنازع، وبدأت آثاره السلبية تهيمن على الحياة الفكرية والتشريعية، وتعوق عملية توحيد الأمة على منهج رشيد واحد وقيام دولتها الجامعة.
إن تطبيق هذه المادة في مصر يؤدي إلي تعديل قوانين ولوائح (الأحوال الشخصية) لأن معظمها من الراجح في المذهب الحنفي، وبعضها مأخوذ من الفقه الشيعي الجعفري كالإشهار علي الطلاق في المحررات الرسمية. وسوف يؤدي ذلك بالتبعية إلى ارتباك اجتماعي واقتصادي وسياسي ما يتعذر حصره وإحصاؤه وتلافيه.
كما أن العمل بالمادة (219) سيوضح الفروق بين المذاهب السنية الأربعة مما يؤدي بمرور الوقت إلى التمزق المذهبي وما ينشأ عنه من طائفية، يفرز في كل زمان ومكان عوامل مزمنة للتفتيت والتقسيم والتناحر على جميع الأصعدة، فقد يصبح كل مذهب دينا مستقلا عن بقية المذاهب الأخرى ومن ثم يتحول أتباع كل مذهب إلى طائفة وكيان منعزل عن المجتمع، رافض له، مخرب لجميع وشائجه وعلاقاته الإنسانية.ناهيك عن ما يترب على ذلك من تناحر سياسي بين النخب والزعامات المذهبية التي تستثمر المشاعر السلبية والتنافي الفقهي لتكريس مواقعها وسلطتها، وتوظيف ذلك للأهداف الشخصية، ولتخريب الوحدة الوطنية تحت غطاء الدفاع عن المذهب وطائفته. بالإضافة استثارة صراعات جانبية أخرى، قومية وعرقية وطبقية كانت نائمة، تستيقظ فتتحول بها مصر إلى شظايا، والمذاهب نفسها إلى عرقيات، كالنوبيين في جنوب مصر، والبيجاويين في حلايب وشلاتين جنوب شرق مصر،وأولاد علي في شمال غرب مصر.
أما على صعيد الولاء لمصر، فتنشأ عن تطبيق المادة (219) إحدى حالتين: أولاهما لجوء بعض المذاهب ردا على ما ينالها من ظلم وتهميش وإقصاء إلى الاستقواء على مصر بالقوى الأجنبية . وثاني الحالتين: أن تحاول الأكثرية المذهبية الحاكمة تصفية الأقليات المذهبية أو قمعها وترويضها، فتتهمها بالخيانة وترميها بالتآمر وممالأة الأجنبي، وضعف الولاء للوطن والدين، وهذا ما له شواهد من التاريخ الماضي والواقع الحالي.
ولعل من المؤسف حقا أن نعترف بأنه لم يكن لدى المسلمين منذ نهاية عهد الخلفاء الراشدين إلا نموذج واحد لحل هذه المعضلة، نموذج الدولة المتعسفة التي تفرض مذهبها على المذاهب الأخرى بواسطة النطع والسيف، ولا تترك لها إلا الخضوع المذل أو الثورة الدموية. وذاك ما عرفته الدولة العباسية في بغداد، والصفوية الشيعية في إيران، والعثمانية الحنفية في تركيا والفاطمية الشيعية في مصر.
ولعل من نافلة القول أن نذكر بأن المسيحيين والأقلية اليهودية والأقلية الشيعية في جمهورية مصر العربية حاليا – إذا هضم حقهم - هي السلاح التدميري الأشد خطورة، الذي تمسك به قوى العدوان الأجنبي، وتستخدمه جحافل الغزو الاستعماري لأوطان المسلمين عربا وعجما.
ليس لنا مفر من الاعتراف بشذوذ مناهجنا السياسية منذ نهاية عهد الخلفاء الراشدين، عن قواعد الإسلام، ومبادئ الإنسانية الرشيدة، وقيم العدالة والحرية والمساواة، وهذا يجعلنا بين خيارين لا ثالث لهما، خيار مواصلة " السقوط الحر" – إذ ما طبقت المادة(219) - في هاوية من الفتن والصراعات لا قرار لها، أو خيار التنحي عنها مؤقتا حتى نستطيع النهوض لمدارسة الكتاب والسنة من جديد وصياغة منهج سياسي لتدبير الشأن العام، يباركه الله عز وجل ويرضى به وعنه شعب مصر وسكان الأرض أجمعين.

     د/عبدالوهاب القرش
    دكتوراه في العلوم الإسلامية
الثلاثاء، 14 فبراير 2012 0 التعليقات

الشورى..لغةً وتاريخ


الشورى..لغةً وتاريخ
لعل مما يميز اللغة العربية عن غيرها من اللغات، أصالة مصطلحاتها ،ومرونتها الرائعة التي تنمو بها مفرداتها، وتتطور بها تعابيرها، تبعا لتطور أهلها واتساع تجاربهم، وتنوع حياتهم الاجتماعية، ونشاطهم المادي والمعنوي والروحي، ثم تثبيت بعض هذه المفردات بواسطة الوحي مصطلحات دينية لا تُضاهى .
 نلحظ هذه الظاهرة عند تتبعنا لنشأة كثير من المصطلحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتشريعية والعسكرية وغيرها .
فالشورى كلمة يضرب معناها في أعماق النفس البشرية منذ خُلق الإنسان اجتماعيا بطبعه، محتاجا إلى غيره من أجل التشاور والتفاهم وتبادل الرأي والنصح والتجربة والمنفعة . والتي يضرب مبناها ـ لفظها ـ بجذوره في تاريخ الإنسان العربي منذ نشأته بدائيا بسيطا عفويا، إلى أن بلغ مرحلة النضج العقلي والرشد الاجتماعي، والتفكير المنطقي، والتعبير الفني تصريحا وتلميحا، حقيقـة ومجازا، ثم إلى أن نزل الوحي فثبت اللفظ ـ الشورى ـ مصطلحا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا في قوله تعالى :(وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)  (الشورى: 38).
والمتتبع لنشأة هذه الكلمة وتطور مدلولها، يلحظ أولا قرابةً لها بلفظ "الشوار" الذي هو الحُسن والجمال والهيئة، سواء في الإنسان أو متاع البيت ؛ كما أن لها أصلا مشتركا مع لفظ "الشور" الذي اشتق منه فعل "شار، يشور" العسل، إذا استخرجه من مصدره، ثم أطلق لفظ المشار على مصدر العسل، أي الخلية أو الوَقْبَة أو الجُبْحُ  .
ونظراً لأهمية العسل في حياة العربي وقيمته الغذائية ونُدْرته، اشتق من هذا اللفظ كلمة "أشار" بمعنى أَوْمَأَ بيده، أو عينه، أو حاجبه، وكأنما العسل هو أهم ما يستحق الإيماءَ والإشارة .
ثم نُقلت الكلمة بالتدريج وعلى مراحل من معناها المادي ـ استخراج شيء مادي هو العسل، من شيء مادي هو الخلية ـ إلى معنى تجريدي راق هو استخراج الرأي الصائب والفكرة الصالحة، والهدي النافع من عقول الناس وتجاربهم وتصوراتهم، وكأنّما العقول خلايا نحل، وكأنما آراؤهم عسل يُستخرج منها للغذاء والاستشفاء .
وبذلك عرفت اللغة العربية كلمات جديدة، مثل : أشار عليه، شاوره، استشاره،  مَشُورة، مَشْورة، شورى، وكلها تدل على تبادل الرأي والنصح والإرشاد والاسترشاد، والهداية والاستهداء ؛ حتى إن العربي الموغل في بداوته عرف بفطرته ولغة قومه هذه المعاني الجليلة فذهب إليها، والتزم بها دون تعقيد أو جدل أو فلسفة ؛ وقد دعا أحد الخلفاء واحداً من بني عبس وسأله عن سر انتصاراتهم فقال الأعرابي : " نحن ألف رجل بألف رأي ".
ولا يذهب بنا القول إلى ادعاء أن الشورى ـ مبنى ومعنى ـ من خصائص العربي واللغة العربية، ولكن من المؤكد أن العربية تكاد تكون اللغة الوحيدة، التي نمت فيها هذه اللفظة ـ شورى ـ نمواً طبيعيا، ضاربا في أعماقها التاريخية والاجتماعية والثقافية، فاكتسبت بهذه الأبعاد العميقة مرونة وشمولية أداء، تَنْدُران في اللغات الأخرى التي انتحلت لمعانيها كلمات لم تستطع أن تستوعب مداليلها المادية والمعنوية والنفسية والروحية والاجتماعية .
ثم جاء الوحي والسنة النبوية المطهرة فرفعا هذا اللفظ ـ شورى ـ إلى صعيد مصطلح ديني ودنيوي، يتعذر على المرء الاستغناء عنه بلفظ آخر عربي أو دخيل، مهما تكلف واحتال وتَمَحَّلَ . ثم كان التطبيق النبوي الذي بلوره نظاما سياسيا يجعل أمر الأمة بيدها، تتخذه قرارا، وتصدره للسلطة التنفيذية ملزماً .
واستمر الحال على هذا المنهاج إلى أن تم الانقلاب عليه بالقضاء على الخلافة الراشدة ؛ فأنشأ الحكام المتسلطون حركات ثقافية للتعتيم على المفاهيم السياسية الإسلاميـة وتمويهها، بما يبرر انفرادهم بالسلطة ؛ ولم يتورعوا في حركتهم هذه عن وضع الأحاديث الكاذبة، وتفسير بعض آيات القرآن الكريم بغير معناها ،كما هو الشأن في الحديث الموضوع الذي يجعل  الحاكم ظلا لله في الأرض، وفي تفسير قوله تعالى :(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً))البقرة:30)، بأن فسقة الحكام وفجارهـم وكفارهم خلفاء لله سبحانه ـ تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ـ .
فمهّدت هذه الشروح لنشوء أنظمة حكم استبدادية ظالمة سلبت الأمة أهم حقوقها الإنسانية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، واحتكرتها بيد الحكام وبطانتهم من الوزراء والمستشارين، والكتبة، والغلمان والجواري والخدم وعلماء السوء، والمماليك ؛ فتحولت القصور والمؤسسات بذلك إلى حلبات لصراع الأهواء والمصالح الشخصية والنفــوذ الأجنبي، والأمة الإسلامية إلى سوق للرقيق بيد نخاس، يسومها سوء العذاب، يذبح أبناءها، ويستحيي نساءها، ويبدد أموالها، ويتاجر بأعراضها .
بدأت مسيرة الفطرة البشرية في اختيارها الحر، وتحمل مسؤولية اختيارها، من موقفين ضاربين في أعماق الغيب، في الملإ الأعلى، ذكرهما الوحي في آيتين كريمتين، أولاهما:(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)    (الأحزاب: 72) . وثانيتهما:  (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ )  (الأعراف: 172).
ثم أطلعنا ـ برحمته ـ على مشهد حواره مع الملائكة عند خلقه آدم عليه السلام تعليما لنا وتربية وترشيداً في قوله سبحانه وتعالى :( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة:30).
ثم لم يترك سبحانه وتعالى الناس فوضى في هذا المضمار، وإنما هداهم بواسطة الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى منهج الشورى وطرائقها . وكما أعطانا المثل في حواره مع الملائكة، ضرب لنا المثل باستشارته الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر أمته، تطييبا لخاطره وتعليما لنا ـ وهو سبحانه غني عن ذلك ـ فيما رواه حذيفة قال: غاب عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فلم يخرج حتى ظننا أنه لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة فظننا أن نفسه قد قبضت منها، فلما رفع رأسه قال :" إن ربي تبارك وتعالى استشارني في أمتي : ماذا أفعل بهم ؟ فقلت : ما شئت أي رب، هم خلقك وعبادك . فاستشارني الثانية، فقلت لـه كذلك، فقال : لا أحزنك في أمتك، وبشرني... "  .
واستمر التدرج بهم إلى أن بلغ مبلغ الكمال الممكن للتجمع البشري، الذي وضعت أسسه سورة الشورى، والسنة القولية والفعلية والتقريرية للرسول صلى الله عليه وسلم .
وعلى رغم تأرجح المسيرة البشرية في الأرض بين الكفر والإيمان، فإنها فى فترات ضلالها وكفرها بقيت متشبثة ببعض معالم الشورى، ولكنها كانت تطبقها بغير إطارها الإيماني، وبأساليب خاضعة ـ في غالب الأحيان ـ لأهواء الملوك والأباطرة، وجَنَتْ منها بعض الخير الذي يناسب مقدار التطبيق ومنهجه ؛ من ذلك بلقيس التي استشارت ملأها ـ مجلس شوراها ـ عندما ألقي إليها كتاب سليمـان عليه السلام : (قَالَتْ يَاأَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَتْ يَاأَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِي قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) (النمل: 29 - 35).
ومن ذلك استشارة عزيز مصر ملأه حول تأويل رؤياه :(يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي)  (يوسف: 43 - 45) .
ومن ذلك استشارة فرعون ملأه ـ على طغيانه وتألهه ـ  في أمر موسى عليه السلام  :( قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ) (الشعراء: 34 - 36).
ومن ذلك نجاشي الحبشة الذي اتخذ مجلسا للشورى، وعندما وفد إليه بعث قريش المكون من أشد القرشيين دهاء وحنكة ـ عبد الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص ـ للمطالبة بإعادة المسلمين المهاجرين إلى الكفار، محملاً برشاوى ثمينة لكل البطارقة وأعضاء مجلس الشورى، كاد ينجح في مسعاه، لولا أن النجاشي تترس بضوابط الإيمان والأخلاق، فرفض آراء البطارقة، وأمر برد رشاوى وفد قريش . قالت أم سلمة رضي الله عنها التي روت الخبر  : " فخرجا ـ عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص ـ من عنده ـ أي النجاشي ـ مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده ـ أي عند النجاشي ـ بخير دار مع خير جار " .
لقد كان لتشبث النجاشي بالإيمان والقيم والأخلاق، الأثر البالغ في حماية المسلمين المهاجرين، وفي إحباط كَيْدِ مستشاريه المرتشين، وهذا يؤكد قاعدة عتيدة في الاجتماع البشري المتحضر، هي أن أي نظام سياسي لا تهيمن القيم والمبادئ  على سلوك قادته، ولا يضبطه ضابط الصدق والشفافية ينحط إلى الحضيض، ويرتكس في حَمْأَة الخزي واللؤم والفساد، والظلم والنذالة، على رغم ما يمكن أن يكون لديه من ظروف مواتية، وقدرات كافية، وشعارات براقة مرفوعة، وأهداف لماعة منتحلة ؛ لأنه يسقط في التناقض بين القول والفعل، مهما كابر وادعى . والأمثلة على ذلك كثيرة من حال الأمة الإسلامية المعاصرة التي تتبادل أكثر دولها ـ علمانية ودينية، تقدمية ورجعية ـ اللاجئين إليها كما تتبادل الخراف والبضاعة، بل يبلغ ببعضها الانحطاط والخسة إلى تسليم مواطنيها للأجنبي، وترتكس في الظلم والعسف ارتكاسا يجعل بعض رعاياها يفتقدون الأمن في أغلب بلدان المسلمين بسبب مواثيق التسليم وعقود التعاون الاستخباري، فيضطرون  للّجوء إلى الكيان الصهيوني، وأمم الغرب المسيحي .
وبذلك تفكك المجتمع المسلم وتمزق طوائف متناحرة، وحلت بدوله الهزائم في كل ميادين الإصلاح والدفاع، وأصبح حكامه عبيداً أذلة لكل أمة يتوهمون قدرتها على حمايتهم ومساعدتهم على البقاء. مما يوضح قاعدة أساسية في الاجتماع البشري هي أن الغلبة والنصر والتمكين والقوة لا تتحقق لأي دولة إلا بمقدار ما يتوفر فيها من مبادئ الشورى وضعية كانت أو إيمانية . ويؤكد هذا واقع الدول الغالبة في هذا العصر، التي وفرت لشعوبها حداً أدنى من الكرامة والعدل بممارسة نوع من الشورى الوضعية الشكلية، وحال دول الظلم والاستبداد في بلاد المسلمين  المنهزمة أمام مجوس الهند، ويهود الشتات، ونصارى الغرب، وعباد الوثن في إفريقيا، و"المتعنترة" على الأطفال والنساء والشيوخ والعراة والجياع والمرضى من مواطنيها .
ولهذا أنزل الله سبحانه وتعالى تشريع الشورى، جزءاً من آية واحدة، تشتمل بسياقها القَبْلِي والبَعْدي على أهم مبادئ الإيمان، والعدل، والأخلاق، والعبادة، يتلقاها المؤمن فيجد فيها توجيها ربانيا نحو مجتمع متكامل تمثل فيه الشورى جزءاً من كلّ ؛ فقال تبارك وتعالى :( فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا   وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ  وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: 36 – 43 ).
والآيات القرآنية الكريمة هذه، اشتملت على صفات المجتمع الشوروي، بزهده في زخرف الحياة وطهارته من الفواحش، وتوكّله على الله وحده، وتغافره لأخطاء أعضائه، وتكافله في ميدان التخطيط والتقرير والتنفيذ والإنفاق، وحل الخلافات قصاصا وتعويضا وتعافيا ودفعا للظلم .
 فإذا تم تطبيق هذه المبادئ قام المجتمع الإسلامي الرشيد عدلا ورحمة ومحبة ونماء  ورخاء، وأمنا من الجوع والظلم والفساد والعسف ومصادرة الحريات، حريات الفكر والرأي والاعتقاد والعمل والكسب .
ثم إن الوحي عندما أسس نظام الاجتماع الشوروي وضع له ضوابط وشروطا للنجاح، لا تخل بطبيعته المرنة ؛ فقيّده بوجوب اجتناب الطاغوت ـ وهو كل مجاوزة للحد، هوىً أو مصلحة ذاتية، أو سلطانا ـ، وباتباع كل حسن من القول نصحا أو رأياً، أو أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر، فقال تبارك وتعالى :(وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) (الزمر:17 – 18) ؛  وبذلك أضفت الآية الكريمة على مفهوم الشورى بُعداً آخر هو استماع الأقوال والمقترحات والاستفادة منها، وهو ما وضحه علي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما وجه الخطاب إلى ابنه محمد بن الحنفية قائلا : " اضمم آراء الرجال بعضها إلى بعض، ثم اختر أقربها إلى الصواب، وأبعدها عن الارتياب، قد خاطر بنفسه من استغنى برأيه،  ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ " .
كما عولج الموضوع نفسه بثلاث آيات أخريات تضبط الممارسة وتضمن لها التجرد والموضوعية وسلامة القصد و وحدة الصف، ففي قوله تعالى :(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (آل عمران: 159) يحث الوحي على الرفق واللين، المؤديين إلى جمع الشمل، و وحدة الصف، وعلى العفو والتعافي وسلامة القلوب من البغضاء والحقد والخيانة، وكلها أمراض تعوق ممارسة الشورى على أساس متين، وقد وردت هذه الآية في سياق إشارته تعالى إلى الذين تولوا يوم أحد، وبيــان أسباب توليهــم وعفـوه عنهم :(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)(آل عمران: 155).         
وفي قوله تعالى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة:8) يبين تبارك وتعالى أن التباغض والتنافر من عوائق العدل الذي هو الثمرة الطبيعية للشورى  وأداء الشهادة، وأن على المجتمع المسلم أن يطهر صفه من هذه العوائق     وفي قوله سبحانه : (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) (الأنعام: 152) يبـين الوحي عائقا آخر من عوائق ممارسة الشورى على وجهها السليم، هو عائق القرابة والولاء العائلي أو القبلي أو الطائفي أو الحزبي، ويحث على التجرد، وتسخير الشورى لمصلحة الأمة كاملة، لا لطائفة أو حزب أو عائلة أو شخص ...
ثم تأتي السنة النبوية فتزيد أمر التجرد وضوحاً بإشارتها إلى تأثير الحاجة في ممارسة الشورى، وضرورة تحرر ممارسيها من مظاهر ضعفهم وأهوائهم، فقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أبو داود:  " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك ـ يعني نفسك ـ "… الحديث " وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: " تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش" …الحديث " . وجاء في الأثر :" لا تشاور بخيلا في صلة، ولا جبانا في حرب، ولا شابا في جارية " . وهذا ما تشير إليه الآية القرآنية :( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ) (القصص: 50 ) .
ذلك لأن الشورى إذا تحكم فيها أصحاب الأهواء سخروها لتحقيق مآربهم، وحماية مصالحهم، وتحولت بتألّب  الانتهازيين والوصوليين والمجرمين وتحزبهم لبعضهم أداة للقمع والظلم والفساد، واغتصاب سلطة الأمة، وهو ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال :  " لن تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها"، وحين قال :" سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصدق فيها الكاذب، ويُكذب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن، وُيخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة " قيل: وما الرويبضة ؟ قـال: " الرجل التافه يتكلم في أمر العامة "، وفي رواية : "الفاسق" وفي أخرى " السفيه " .
إنه ما كان للشورى أن تضبط بإطارها العام الذي هو  الممارسة الإيمانية، وبإطارها الخاص الذي هو العدل في الرضى والغضب، والتحرر من قيود الحاجة والخوف، لو لم تكن لها الأهمية القصوى في بناء الأمة وإعلاء شأنها، فهي بنصوص السنة النبوية نصيحة، قال صلى الله عليه وسلم: " الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا لمن يا رسول الله؟ قال :" لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ". وقال:  " من جاء يوم القيامة بخمس لم يصد وجهه عن الجنة : النصح لله ولدينه ولكتابه ولرسوله ولجماعة المسلمين " .
والشورى أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، لأن عضو الشورى يبدي رأيه بشجاعة وينتقد الفساد بجرأة ويرشد إلى الصلاح بوضوح، لقوله صلى الله عليه وسلم  : " لا يحقر أحدكم نفسه قالوا يا رسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه قال يرى أمرا لله عليه فيه مقال ثم لا يقول فيه فيقول الله عز وجل له يوم القيامة ما منعك أن تقول في كذا وكذا فيقول خشية الناس  فيقول فإياي كنت أحق أن تخشى "، وقوله صلى الله عليه وسلم  : " لا يمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول الحق إذا رآه أو سمعه " .
والشورى صدق ووفاء وأداء للأمانة لقوله تعالى :(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: 58)، وقوله صلى الله عليه وسلم: " اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة اصدقوا إذا حدثتم  وأوفوا إذا وعدتم وأدوا إذا أئتمنتم واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم " .
والشورى صدقة و زكاة، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم : " ما من صدقة أحب إلى الله من قول الحق".
والشورى شهادة كتمانها خيانة وتحريفها زور، لقوله تعالى :(وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ)(الفرقان:72)، (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) (البقرة:283)، وقوله صلى الله عليه وسلم : " من كتم شهادة إذا دعي لها كان كمن شهد الزور " .
والشورى حزم، ومظاهرة وتعاون، ولا حزم أرشد من مشاورة ذوي الرأي واتباعهم، ولا مظاهرة ولا تعاون أوثق من الاستماع إلى آراء الرجال والاسترشاد بها (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة :2).
والشورى جهاد في سبيل الله لقوله صلى الله عليه وسلم  عندما سئل" يا رسول الله أي الجهاد أحب إلي الله قال كلمة حق  تقال لإمام جائر" .
ولعلنا لا نجانب الصواب إذا ذهبنا إلى أن أهمية الشورى في حياة الأمة مما جعل تشريعها يرد بنصوص قطعية الثبوت في القرآن الكريم، وبنصوص من السنة النبوية قطعية الدلالة، قولية وفعلية، مشهورة ومستفيضة، تكاد تبلغ حد التواتر.    
ونظراً لهذه الأهمية التي تكْتَسيها الشورى، في ميدان الاجتماع والسياسة والاقتصاد وإقامة العدل والمساواة، نزلت سورتها في مرحلة مبكرة من حياة الدعوة الإسلامية، في المرحلة المكية ؛ فكان نزولها خطوة استراتيجية ضرورية للبناء والتربية ورسم الأهداف البعيدة، وتقديم ضمانات التوفيق والنجاح، وتمهيد السبيل لبناء دولة الإسلام وحضارته .
 وظل الرسول صلى الله عليه وسلم طيلة حياته الكريمة يدرب الناس على ممارستها، ويحرضهم على الالتزام بها، ويعطيهم من نفسه القدوة - وهو غني عنها بالوحي - إلى أن توفاه الله سبحانه ولم يصادر حريتهم في الاختيار؛  فوضع صلى الله عليه وسلم بذلك أخطر ركيزة سياسية، وأهم آلية لممارسة الشورى بعد انقطاع الوحي بوفاته عليه السلام. لكن كثيراً من المسلمين بعده صلى الله عليه وسلم لم يستوعبوا هذه الدروس والعبر والتوجيهات ؛ أعماهم الهوى والجهل، وحب السلطة والصراع على المنصب، وأضلهم المال وبهرج  الدنيا ؛ فنشأ في الفقه الإسلامي خليط من الاجتهادات المغرضة، والفتاوى المنحرفة، وتاه الفقهاء صادقهم وكاذبهم إلا من تولته العناية الإلهية، في هذا الركام الفقهي المضطرب، ما بين قائل بحق الحاكم في الاستئثار بالسلطة، وقائل بالإمام المعصوم، وقائل بوجوب الشورى، ومدع عدم  إلزاميتها،  ومنتحل الشرعية لمجالس الشورى  أو أهل الحل والعقد، أو البرلمان، أو الشيوخ، أو النواب(1) .
_________________________
(1)اعتمدنا في هذا المقال على مؤلفات الشيخ عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي.
                          د/عبدالوهاب القرش
                          دكتوراه في العلوم الإسلامية

الأحد، 5 فبراير 2012 0 التعليقات

«حراء ولقاء الأحباء»



«حراء ولقاء الأحباء»
على بعد ساعة واحدة من مكة المكرمة بالسير على الأقدام، وعلى يسار الذاهب إلى منى تمتد سلسلة من الجبال والآكام المتلاصقة، ويلوح في وسطها جبل حراء يطل على تلك الفيافي الشاسعة والجبال الفارعة، وكأنه المنارة الساطعة.

وقد صعد محمد - صلى الله عليه وسلم - قبيل البعثة إلى هذه المكان العالي، حينما رأى قريشًا قد هوت إلى الحضيض، وانحدرت في عبادتها إلى الدرك الأسفل، فسما هو إلى هذا المكان وكان يخلو به كل عام في شهر رمضان، أجل كان يخلو بغار في أعلى هذا الجبل الأشم،

 وهو كهف غريب جعله الله على وضع عجيب، يأخذه فيه الإنسان راحته الكاملة، وتنطلق فيه الروح من أسر المادة وعقال الشهوة، إلى حيث تسمو إلى العلياء، وتسبح في ملكوت السموات والأرض. فبابه يتسع لدخول الشخص الواحد وهو قائم، وقد غُطي سقفه بصخور مائلة، لذا كان وسطه أعلى من جانبيه. ويستطيع اثنان متجاوران أن يصليا فيه براحة كاملة، ومساحته من الداخل تسمح بنوم ثلاثة من الرجال متجاورين. وقد أسعدني الحظ بالرقي إلى هذا الغار.
فإلى هذا المكان الذي يشق العنان، كان يصعد محمد - صلى الله عليه وسلم - قبيل بلوغه الأربعين، حاملا معه من الماء والطعام ما يكفيه لقضاء جزء كبير من شهر رمضان في كل عام، وبين تلك الصخور والرجام، وفي هذا الصمت العميق، ومن خلال تلك الكوة الضيقة كان يطل محمد - صلى الله عليه وسلم - على الدنيا بأسرها، فيطالع عظمة الكون ونظامه ودقته وإحكامه، ثم ينظر مع ذلك إلى أهل مكة وما حولها، فيراهم في الغي سادرين، فيستولي على نفسه الضيق والألم، ويتمنى أن لو جاء الحق الذي تسكن له النفوس، وتطمئن به القلوب، وتنجاب أمامه الغياهب والظلمات.وكان العالم كله في غفلة عن محمد – صلى الله عليه وسلم - وهو يأوي إلى غار حراء متوحِّداً في سبيل التوحيد.
وبعد طول عناء في هذا الغار الشاهق الارتفاع الذي يقع على الطريق ما بين السماء والأرض تم اللقاء بين محمد القادم من الأرض حاملاً ضراعتها ، وبين جبريل القادم من السماء حاملاً رسالتها ودار الحوار :
الملك جبريل : اقرأ .
 النبي محمد : ما أنا بقارئ .
 الملك جبريل: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ،  عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق:1-5).
هذه الكلمات هي بسملة سعادة الإنسان ، وهي الأشعة الأولى لأنوار القرآن ، يا لها من براعة استهلال لمقاصد الرسالة ..ويعبر عبد المعطي الدالاتي عن هذا المشهد قائلا:

من تحت ســن القلـم             أبصرتُ بعث الأممِ
(اقرأ) تلاها المصطفـى          فكان جيل الأرقـمِ
ها هنا في قلب الغار اختُصر تاريخ الإنسان، فيا له من مكان غمر في جوفه الزمان، ولقد تكون بعض الأحداث في التاريخ أكبر من التاريخ نفسه !! ويوم حراء أكبر وأخلد من التاريخ . وأكرِم بيوم تم فيه اللقاء بين أمين الأرض وأمين السماء !
لقد خرج محمد - صلى الله عليه وسلم - من هذا الغار حقيقة نقية كالسماء الصافية، خرج قانوناً من قوانين الله التي تُسيِّر الشمس والقمر، وتمسك السماء والأرض، يمضي قُدماً إلى الغاية المقدورة مُضيّ النجوم في حُبكها والشمس في فلكها، هبط الرسول من حراء وقد حمل أمانة الرسالة ، فليت شعري أَهَبط ونفسه قريرةٌ كما ينزل النور من الشمس والقمر؟ أم نزل ونفسه جائشةٌ كما ينزل الغيث بين الرعد والبرق؟! ما هي المشاعر والأفكار التي كانت تجول في قلبه وقد حمل "قولاً ثقيلاً" لينقذ به العالمين من الظلمات إلى النور ؟! لست أدري، ولكنه نزل ديناً جديداً، وعصراً وليداً، وتاريخاً مديداً، وإصلاحاً شاملاً وهدى كاملاً، ورحمةً للعالمين
أيها الغار : يا مأوى محمد .. ويا مطلع النبوة .. ويا بوابة السماء ! كم فجّر الله فيك من ينابيع هدى، ومن شلالات سناء، وقد عبر عن ذلك الشاعر الحجازي السيد العربي بقصيدة رائعة قال فيها:
هذا حراء سائلوه يجبكم ... فلعله سفر من الأسفار
واستلهموه مواقف الوحي التي ... شع الهدى منها على الأقطار
وسلوه ماذا قد أقل من البطو ... لة والحجى؟ أعظم به من غار
أخلق بغار حراء أن يزهى على ال ... أهرام والإيوان والآثار
كم بين صاحبه وبين بناتها ... من فارق أربى على الأقدار
شتان بين محرر الأقوام وال ... مستعبدين سلائل الأحرار

وهكذا ابتدأت دعوة الحق نورًا أضاء في غار تقاس مساحته بالأشبار، ولكن لم يلبث هذا النور إلا قليلًا حتى ملأ الأقطار والأمصار، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
                                                          د/عبدالوهاب القرش
                                                      دكتوراه في العلوم الإسلامية
 
;