الخميس، 19 ديسمبر 2013 0 التعليقات

لماذا أنا مسلم؟!




لماذا أنا مسلم؟!
(من اعتنق الاسلام بالتقليد والوراثة؛ دخله من باب العبيد،
ومن اعتنقه بعد بحث وتفكير وإعمال عقل؛
 فقد دخله من باب الملوك!) الشيخ/ محمد الغزالي؛

   مِن قبل أنْ أبلغ العاشرة من عمري؛ وأنا أتساءل حائراً: لماذا أنا مسلم؟
فما تركتُ أحداً إلاَّ وسألته هذا السؤال! فما وجدتُ جواباً شافياً تطمئنُ إليه نفسي! من ذلك؛ أنني سألتُ أهلي الكرام: لماذا أنا مسلم؟ فقالوا لي: لأنكَ من ذرية "الزهراء" عليها السلام! ثمَّ ذهبتُ إلى سكان القرى والنجوع المجاورة، وسألتهم: لماذا أنتم مسلمون؟ قالوا: إننا من الأشراف! فتركتهم، ومضيتُ أبحثُ عن غيرهم؛ حتى بلغتُ مشارق مدينة قوص، وسألتُ أصلحَ الناس؛ لماذا أنتم مسلمون؟ فقالوا: هنا كان الملك (أحمس) زعيم الموحِّدين في مصر القديمة! فتركتهم حتى بلغتُ مغارب المدينة المترمية الأطراف؛ وسألتُ أمثلهم طريقة: لماذا أنتم مسلمون يا سادة؟ فنظروا إليَّ شزراً، وقالوا: نحن من نسل الملك (مينا) داعية الوحدة والتوحيد! فرجعتُ بخفيّ حُنيْن! وقلتُ في نفسي: إنَّ هؤلاء وهؤلاء لفي ضلالٍ مبين! لقد وجدوا آباءهم على أُمَّةٍ؛ فهم على آثارهم مقتدون!!
عندئذٍ؛ اشتدَّتْ حيرتي، واشتعل غضبي .. لدرجة أنني كنتُ أتململُ ذات اليمين وذات الشمال؛ باحثاً عن مرفأ السلامة! ؛ فطفقتُ أقرأ وأقرأ في مختلف الكتب السماوية وشروحها، حتى ألممتُ بتفاصيلها، ثمَّ قرأتُ كافة النظريات والفلسفات الأرضية، ووقفتُ على أدق أسرارها. فوجدتُ رسالات السماء؛ أوفى من الفلسفات الأرضية، وأهدى سبيلا، وأعظم مقصداً، وأشرف غاية.
ثمَّ قارنتُ بين الرسالات السماوية الثلاث (اليهودية، والمسيحية، والاسلام) كيْ ألتمس الهداية الحقيقية، وأقفُ على شاطئ النجاة ... وعاهدتُ نفسي: أنني سأعتنق الديانة التي يقتنع بها عقلي علانيةً؛ دونما رهبة أوْ خجل من هذا ولا ذاك! فالديانات الثلاث؛ أقرتْ بحرية العقيدة!
 وقد انصبَّ بحثي حول ما يتعلق بأصول الإيمان: (الإله، والنبوة، والجزاء).
فوقفتُ على كمال (الرسالة الاسلامية) بالأدلة العقلية والنقلية معاً؛ وأدركتُ أنَّ (الإسلام) وحده القادر على انتشال العالَم مما هو فيه ... فهو دين عالمي، لمْ يأتِ لإنقاذ قطيع من الخراف الشاردة، ولا يتجاوب فقط مع متطلبات الحياة، بلْ مع المشاعر الوجدانية للفرد في بحثها عن الذات الإلهية، وهو لا يقدِّم تصوراً منزَّهاً عن الآفاق فيما وراء الطبيعة فحسب، بلْ يقدِّم أيضاً قواعد رفيعة وشاملة للعلاقات الفردية والاجتماعية، ونظاماً اقتصادياً سليماً، ومذاهب سياسية عادلة وعملية .. فالإسلام ليس بالنجم المفرد المنعزل، بلْ نظام كوني شامل متكامل، يضم بين جنباته قواعد كلية، ونوراً يهتدي به الكل في دروب الحياة ومناحيها.  
 إنَّ (الإسلام) ليس دين طبقة خاصة بذاتها، ولا هو دين أُمّةٍ واحدة بعينها، ولكنه دين الإنسانية كلها ودين بني البشر جميعاً، وفيه معاني الوحدة والتوحيد والأُخوة الإنسانية المشتركة: ]قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ[.
   وإذا نظرنا في القرآن الكريم؛ نجد هناك أكثر من أربعين آيةً يُذكَر فيها الله سبحانه وتعالى باسم ]رَبِّ العَالَمِينَ[ و]رَبِّ الفَلَقِ[ و]رَبِّ النَّاسِ[ هذا عدا الآيات التي ذكر فيها بالنص الواضح أنه النبيّ الخاتمe قد أُرسِل إلى الناس كافة، وأنَّ القرآن قد تنزَّل عليه ليقرأه على الناس؛ ففي أول سورة الفرقان: ]تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً[. فلمْ يقل (ربُّ الجنود) أوْ (إلهكَ وإله إسرائيل) كما هو الحال في الكتب السابقة!
وفي اهتمام الإسلام بالناس فيه ترسيخ لمعنى الإنسانية العام، وتأكيد على وحدة الجنس البشري، فالقرآن الكريم لا يخاطب العرب فقط، ولا شعباً معيناً، ولا قومية بذاتها، بلْ يخاطب الإنسان بوجه عام، ليقيم بين البشر جميعاً رابطة الإنسانية القائمة على ارتباط البشر بالله الخالق جلّ وعلا .. فهم جميعاً عباد الله، لا ليجعل شعباً معيناً مختاراً دون الآخرين.
من هنا يتضح البون الشاسع بين العقيدة الإسلامية وعقائد أهل الكتاب، المتعلِّقة بأصول الإيمان: (الإله، والنبوة، والجزاء).
فنجد (الإلـه) عند بني إسرائيل إله قبيلة واحدة يختصها بحظوته.
 ولكن الله في الإسلام هو إله الخَلْق أجمعين، لا يفضِّل أحداً منهم على أحدٍ بغير التقوى.
و(النبـوَّة) عند بني إسرائيل صناعة خوارق وكشف عن الخفايا والمفقودات.
ولكن النبوة في الإسلام رسالة هداية وتعليم، وبلاغ إلى العقل والضمير، يقنع الناس بالبينات والآيات، ولا يجعل الإقناع موكولاً إلى التهويل بالخوارق والمعجزات.
و(الجـزاء) عند أهل الكتاب يأخذ الأبناء بذنب الآباء، ويلحق الجزاء بالخلف البعيد انتقاماً من جنايات الأجداد والأسلاف.
 ولكن الحساب في الإسلام لا يأخذ إنساناً بجريرة إنسان آخر ]وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى[.
وليس في الإسلام سلطان للمعبد وكُهَّانه على العباد الذين يصلون إليه في كل مكان تحت السماء، ويعلمون أنهم أينما كانوا فثمَّ وجه الله. ولكن "الهيكل Synagogue" في اليهودية هو الذي يتقبل القربان من عباده، فلا يُحسَب لهم قربان بغير وساطة الكُهَّان والأحبار!
فالشمول الذي يؤكده القرآن الكريم يشمل النفس أيضاً، فيجمع النفس والضمير، ويخاطب الإنسان روحاً وجسداً وعقلاً وضميراً .. والإسلام يُسوِّي بين الناس جميعاً، فلا يميز بينهم في حقوق الإنصاف والمعاملة.
*   *   *
    من هنا نعلم؛ أنَّ الإسلام –وحده- صاحب القوة الروحية الهائلة، وفيه الحل الشامل لكل مشكلة إنسانية، فهو يتناول الإنسان كله، ولا يهمل فيه الباعث الأكبر على الطمأنينة، والحماسة للخير والصلاح، وهو باعث العقيدة والإيمان.
فاليهوديـة بأحكامها المنصوص عليها في العهد القديم تخص اليهود ولا تعم الأُمم الأخرى بالمساواة، فحرام على اليهودي أن يقرض يهودياً بالربا، ولا يحرم عليه أن يتقاضى الربا المضاعف من أبناء الأُمم الأخرى، ولا يجوز استرقاق اليهودي طول حياته ولا تزيد مدته في الرق سبع سنوات! و(الإصحاح العشرين من سِفْر التثنية) يقول لشعب إسرائيل: "حين تقرب من مدينة لكيْ تحاربها استدعها للصلح، فإنْ أجابتك إلى الصلح وفتحتْ لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويُستعبد لك، وإنْ لم تسالمك فحاصرها، وإذا دفعها الربُّ إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأمَّا النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمة تغنمها لنفسك. وأمَّا مدن هذه الشعوب التي يعطيك الربُّ إلهك نصيباً فلا تستبقِ منها نسمة".
هذه هي حدود المعاملة بين المؤمنين بالعهد القديم وسائر بني الإنسان، فإذا سادت هذه المبادئ؛ فالأُمم كلها عبيد مُسَخَّرة، وأبناء إسرائيل وحدهم هم أصحاب السيادة والثراء!
والمسيحية كما هو معلوم لم تعرض لمسائل القانون ومسائل السياسة أوْ الاجتماع، ولهذا كانت دعوتها إلى السلام من الدعوات التي تصطدم بالواقع وتتمخض عن حروب لا تنقطع وحزازات بين الطبقات لا يهدأ لها أوار، كما نرى في تاريخ أوربا الحديث والقديم.
ولكن الإسـلام يتناول مسائل الاجتماع ومسائل العلاقات بين المحاربين والمسالمين، فالمسلم يقاتل –فقط- إذا ظُلِم وأُخرج من دياره، ويأمره كتابه إذا ملك الأرض أن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر: ]أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ[.
ولا يجيز الإسلام للنبيّ أن يكون له أسرى: ]مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[.
ثم هو يستحب للمسلم المنّ أوْ الفِداء: ]فَإِمَّا مَناًّ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا[.
ومن بقي في الأسر وطلب المكاتبة فقبول طلبه واجب على مولاه: ]وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ َكَاتِبُوَهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ[.
ولا مطمع في معاملة بين الشعوب المتعادية أعدل من هذه المعاملة، وأقرب منها إلى إزالة العداء والبغضاء، فأمَّا المعاملة بين المسالمين فإنها كفيلة بإنصاف جميع الطبقات، لأنَّ الناس يتفاضلون بالأعمال الصالحة ولا يتفاضلون بالمظاهر والأنساب.
 ويُنكِر الإسـلام الجوْر في توزيع الثروة؛ فلا يجيز لأحد أن يكنز الذهب والفضة قناطير مقنطرة، ومن جمع مالاً وجب عليه أن يؤدي زكاته للفقراء والمساكين ومصالح الجماعة بأسرها، وعليه أن يعين من يطلب منه العون قرضاً حسناً لا مضاعفة فيه للربا ولا تجاوز فيه لمكاسب البيع والشراء، فلا تطفيف للكيل ولا مغالاة بالربح ولا خداع، وكل يُجزَى بعمله وسعيه دون إيثار لأحد على أحد في خيرات الأرض جميعا ]هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً[. فلا يزعمنَّ إنسان أوْ جمع من الناس أنه أحق بالأرض مِن سواه. 
فالعالمية أو العولمة أو النظام العالمي المنشود لا يعتمد على عقيدة أصلح لتعميمه وحض النفوس عليه من العقيدة الإسلامية .. لأنها أمل الإصلاح الوحيد.
 وإنَّ المسيحية تعني بخلاص روح الإنسان في حياته الأُخروية ولا تعرض عليه حلاً من الحلول التي تقبل التطبيق في الحياة الدنيا بين وحدة عالمية من جميع العناصر والأقوام، ولوْ كانت المسيحية الغربية علاجاً لمشكلات الإنسان في العصر الحاضر لعالجت تلك المادية الماركسية التي طغت على روسيا واقتلعتها من أحضان الدِّين والإيمان بالله.
  لكن؛ نجد الإسلام وسطاً بين نظام رأس المال ونظام الشيوعية، ينفي المساوئ عن النظامين معاً، ويأخذ بالمحاسن منهما بالقدر الصالح للجماعات؛ فهو يكره للمسلم أن يكنِز الذهب والفضة قناطير مقنطرة، ويحرِّم عليه الربا الذي يتيح لأصحاب رءوس الأموال أن يستغلوا جهود العاملين بغير جهد مفيد، ثم هو يأمر بالزكاة ويسمح بالتملُّك، ويطلِق السبيل للمنافسة المشروعة، فلا يقتل في النفوس دواعي السعي والتحصيل.
والإسلام يَحُول بين الإنسان وبين الاستغراق في شئون المعاش والدنيا، لأنه يناديه إلى حضرة العليّ الأعلى خمس مرات في الليل والنهار، فلا تطغى عليه النزعات المادية وهو يتردد على عالم الروح وعالم الجسد من الصباح الباكر إلى أن يضمه النوم بين جناحيه.
فالإسلام للمستقبل؛ وعسى أنْ يكون المستقبل للإسلام!


بقلم أخي الصعيدي الفصيح/ محمد القُوصِــــــــي؛

j
 


الثلاثاء، 17 ديسمبر 2013 0 التعليقات

هل (هدم الكنائس) يدخِل النصارى في دين الله أفواجا؟!





هل (هدم الكنائس) يدخِل النصارى في دين الله أفواجا؟!
    (إنَّ انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره متديِّنون بغَّضوا الله إلى خلقه بسوء صنيعهم وسوء كلامهم)! الشيخ/محمد الغزالي؛
*****

  لا ندري لماذا حشد "ابن تيمية" عدّته وعتاده، واستنفر كافة قواته، وكشَّر عن أنيابه، وأجلبَ بخيله ورجله على (أهل الكتاب)؟!
 فلمْ يكن –رحمه الله- موضوعياً في موقفه المتعنِّت من أهل الذمة، بلْ خانه الصواب، وجافى ميزان الحق والعدل، وطفَّفَ الكيل، وجاء ببضاعةٍ مزجاة!
 ولمْ يقف رأيه المتشدِّد عند حد من المبالغة في الجوْر والتعسّف، وضِيق الصدر، وأحادية النظرة، بلْ راح ينبش في بطون التراث، حتى عثر على مرويات هزيلة، وضعها في غير موضعها؛ ليجد لكلامه سنداً شرعياً –كما في كثيرٍ من ردوده مع مخالفيه!
  وإنْ كان –رحمه الله- أخطأ في اجتهاده بشأن (أهل الذمة) فأشدّ منه خطأً، وأكثر تطرفاً؛ أولئك الذين يباركون أخطاءه، ويلتمسون الأعذار الواهية؛ زاعمين أنها كانت مناسبة لعصره!
  بالله عليكم؛ هل إزالة الكنائس، وهدم البِيَع، وسوء المعاملة، يدخل ضمن البر والقسط والإحسان الذي أمر به الحقّ جلَّ جلاله؟!
   ويحكم أيها الأعراب؛ كيف تغفلون عن النصوص القرآنية القاطعة، والوصايا النبوية الناصعة -التي تسجد لها العقول، وتهش لها القلوب، وتنحني لها الهامات- لِما حملته من أساليب الحِلم، والعفو، والصفح الجميل، و(أنْ تبروهم وتقسطوا إليهم)!  
*   *   *
   يقول ابن تيمية –رضي الله عنه- في أحكام أهل الذمة (ج‍ 2 / 677: 686): "إن كل كنيسة في مصر والقاهرة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد ونحوها من الأمصار التي مصرها المسلمون بأرض العنوة؛ فإنه يجب إزالتها إمَّا بالهدم أو غيرها، بحيث لا يبقى لهم معبد في مصر مصره المسلمون بأرض العنوة، وسواء كانت تلك المعابد قديمة قبل الفتح أو محدثة، لأن القديم منها يجوز أخذه ويجب عند المفسدة وقد نهى النبيّe أن تجتمع قبلتان بأرض، فلا يجوز للمسلمين أن يمكِّنوا أن يكون بمدائن الإسلام قبلتان إلاَّ لضرورة كالعهد القديم، لا سيما وهذه الكنائس التي بهذه الأمصار محدثة يظهر حدوثها بدلائل متعددة والمحدث يهدم باتفاق الأئمة.
  وأمَّا الكنائس التي بالصعيد وبر الشام ونحوها من أرض العنوة فما كان منها محدثاً وجب هدمه، وإذا اشتبه المحدث بالقديم وجب هدمها جميعا، لأن هدم المحدث واجب وهدم القديم جائز وما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب .. فالواجب على ولي الأمر فعل ما أمر الله به وما هو أصلح للمسلمين من إعزاز دين الله وقمع أعدائه وإتمام ما فعله الصحابة من إلزامهم بالشروط عليهم، ومنعهم من الولايات في جميع أرض الإسلام ولا يلتفت في ذلك إلى مرجف أو مخذل يقول إن لنا عندهم مساجد وأسرى نخاف عليهم، فإن الله تعالى يقول (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) وإذا كان فوروز في مملكة التتار قد هدم عامة الكنائس على رغم أنف أعداء الله، فحزبُ الله المنصور وجنده الموعود بالنصر إلى قيام الساعة أولى بذلك وأحق، فإنَّ النبيّeَ أخبر أنهم لا يزالون ظاهرين إلى يوم القيامة، ونحن نرجو أن يحقق الله وعد رسولهe حيث قال "يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها". ويكون من أجرى الله ذلك على يديه، وأعان عليه من أهل القرآن والحديث داخلين في هذا الحديث النبوي، فإنَّ الله بهم يقيم دينه كما قال "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز".
   ويدعو –رضيَ الله عنه- إلى هدم الكنائس المقامة في القرى والمدن التي يقطنها مسلمون، فيقول في مجموع الفتاوى (28:347): "وهكذا القرية التي يكون أهلها نصارى وليس عندهم مسلمون ولا مسجد للمسلمين، فإذا أقرهم المسلمون على كنائسهم جاز ذلك كما فعله المسلمون، وأمَّا إذا سكنها المسلمون وبنوا فيها مساجدهم، فقد قال النبيّe: لا تصلح قبلتان بأرض". وفى أثر آخر: "لا يجتمع بيت رحمة وبيت عذاب"!
  وهذه الأحاديث التي استشهد بها ابن تيمية؛ واهية وضعيفة مثل آرائه، وإنْ صحَّتْ فقد فهمها على وجه خاطئ! لكنه سمح لنفسه –فقط- بالاستشهاد بها، ولوْ أنَّ غيره استشهد برواية ضعيفة؛ لأقام عليه الدنيا ولمْ يقعدها، ولرماه بالابتداع ومجافاة السنَّة، وغير ذلك من أساليب التسفيه التي يستخدمها مع مخالفيه!
  بلْ يزداد –قدس الله سره- غلوًّا إزاء معاملة المسيحيين، فيقول: "كان ولاة الأمور الذين يهدمون كنائسهم ويقيمون أمر الله فيهم كعمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد ونحوهما، مؤيدين منصورين، وكان الذين بخلاف ذلك مقهورين مغلوبين، وإنَّ صلاح الدين لم ينتصر على الصليبيين؛ إلاَّ لأنه أبعد النصارى عن أيّ ولاية أوْ منصب". مجموع الفتاوى(348- 28).
*   *   *
   يا أيها الشيخ؛ ما هذا الخلط المتعمد للأوراق؟ وما هو دليلك على صحة آرائك؟ وكيف لمثلك أن يجهل النصوص الدينية الداعية إلى التسامح وحسن المعاملة، ومتى جاز لك أنْ تغضَّ الطرف عنها؟ وهي كثيرة في هذا الباب، يعرفها الجاهل والعالِم!!
 كما أنَّ التاريخ الإسلامي شاهد على ألوان متعددة من تسامح المسلمين مع غيرهم، لم تعرف الدنيا لها مثيلا ... ونظراً لكثرتها، فإننا سنذكر بعضاً منها –على سبيل المثال:
  ففي مصر، سمح عمرو بن العاص للقبط ببناء الكنائس؛ فتمّ بناء كنيسة مار مرقص بالإسكندرية، خلال ولايته الثانية (38-41هـ).
 ومن بعده تواتر حُسن معاملة الأمراء للقبط في سيرة الولاة، الذين تولوا مصر بعد عمرو، فساروا على منهجه، ولم يكتفوا بمساعدة الأقباط على تجديد الكنائس القديمة، بلْ شجعوهم على بناء كنائس جديدة؛ فأول كنيسة بُنيت في الفسطاط بحارة الروم كانت في ولاية مسلمة بن مخلد الأنصاري(47-63هـ) وأنكر الجند على مسلمة، وقالوا: "أتُقِر لهم أن يبنوا الكنائس .. حتى كاد أن يقع بينهم وبينه شر؛ فاحتجَّ عليهم مسلمة، وقال: إنها ليست في قيروانكم، وإنما هي خارجة في أرضهم؛ فسكتوا عند ذلك".
ومن الكنائس التي تمَّ بناؤها في عصر الولاة كنيسة أبي مقار، كما بُنيت عدة كنائس في ولاية عبد العزيز بن مروان (58-60 هـ) منها كنيسة مار جرجس، وكنيسة أبي قير، في داخل قصر الشمع، كما جُدِّدتْ كنيسة القديس مرقص، وبُنيتْ عدة كنائس في حلوان، كذلك بُنيت عدة كنائس في خلافة هشام بن عبد الملك(105-125هـ) ومنها ما أَذِن به واليه على مصر الوليد بن رفاعة (109-116هـ) من بناء كنيسة أبي مينا، بخط الحمراء بظاهر الفُسطاط.
كما سمح الوالي العباسي موسى بن عيسى (171-172هـ) للقبط ببناء الكنائس، التي هدمها الوالي الذي سبقه، ومنها كنيسة مريم، وقد أيده في ذلك أكبر حُجّتيْن في الفقه الإسلامي وقتذاك، هما: الليث بن سعد، وعبد الله بن لُهيعة، وقالا: "هو من عمارة البلاد، واحتجّا بأن عامة الكنائس التي بمصر لم تُبنَ إلا في الإسلام، في زمن الصحابة والتابعين".
كما كثر إنشاء الكنائس بمدينة القاهرة، حاضرة الفاطميين، وهذا الأمر لا يُعد غريباً؛ لأنَّ الفاطميين كانوا أكثر الحُكّام تسامحاً تجاه أهل الذمة؛ فمع مجيء جوهر الصقلي، وإنشائه لمدينة القاهرة، اضطر إلى هدم دير بالقرب من المدينة الجديدة، فعمّر ديراً آخر، سُمِّي بدير الخندق، عوضاً عن الدير الذي هدمه، وكثرت الديّارات الخاصة بالنساء، ومنها دير الراهبات، بحارة زويلة بالقاهرة، ودير البنات بحارة الروم، ثم كنيسة المغيثة بحارة الروم، وغيرها من الكنائس.
    ولا عجب أن تكون ثمرة هذه المعاملة الحسنة؛ أنْ يدخل النصارى –في العصر الفاطمي-في دين الله أفواجا! وهذه أول مرة منذ الفتح الإسلامي؛ بشهادة جميع المؤرخين!
  وذلك على عكس عصور القهر والاستبداد السياسي، التي كثر فيها الرِّعاع، وعلتْ فيها أصوات الأدعياء، فشاع "الفقه البدوي" و"التحجُّر الفكري" و"التراجع الحضاري"!
  رحم الله (الامام) الذي جلب عليه تعصبه، وإدمانه للمخالفة؛ كثيراً من الأخطاء!
كما أوقعته نفسه المحتدِمة، والحدَّة التي كانت تعتريه؛ في كثيرٍ من المزالق، والتناقضات الفجة!

الأحد، 1 ديسمبر 2013 0 التعليقات

« حلقة الوصل بين الجريمة ونظام الحكم »




« حلقة الوصل بين الجريمة ونظام الحكم »
إن الحكم الصالح لا يمكن أن يكون بلا رجال صالحين ، والدولة ما لم يستلم قيادتها رجال صالحون عادلون حكماء علماء أنقياء يسيرون بها على معالم شريعة عادلة كاملة شاملة نحو هدف راقٍ سامٍ عظيم ، فإنها ستبقى تعيش في فوضاها الرهيبة المؤلمة .
لا يستطيع عاقل أن ينكر أن جو الاستبداد يختنق به العباد، وأن جو الحرية أكثر ملاءمة لخير البرية؛ وما ذلك إلا لأن الاستبداد يصنع في النفوس قنابل موقوتة تتحين الفرصة المواتية كي تثور ثورة تخلع بها عن أعناقها ما يحيط بها من أغلال الاستبداد، تلك الأغلال التي لا يشع منها إلا الخوف والاضطراب .
وكلمة " الاستبداد " يفوح منها معنى "القهر الغاشم " الذي يكمم الأفواه وينأى بالسلطة السياسية عن جو الشورى والعدالة والمساواة والاستماع لنصح الناصحين ، ويولد الحكم الفردي الذي يرمي إلى تحقيق أهداف خاصة حتى ولو كانت لا تتفق مع مصلحة  الأمة ، وفي هذا ما فيه من إساءة استعمال لمواقع السلطة ‍‍!! .
ويحمل التاريخ في ذاكرته كثيراً من رموز الاستبداد السياسي قديماً وحديثاً : فمن الرموز القديمة " فرعون " الذي قال الله – تعالى - في شأن استبداده السياسي: ( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين  (.. ومن الرموز الحديثة " مصطفى كمال أتاتورك " الذي تولى حكم تركيا عام 1923م ، وقد  كان توصيله إلى الحكم هو الثمن الذي قدمه له الإنجليز مقابل قضائه على دولة الخلافة ، وقطع تركيا عن كل ماله صلة بالعرب والإسلام .
إن الاستبداد السياسي يمزق وحدة المجتمع ، ويمنع الأتقياء وأهل الصلاح وأفراد المجتمع من العمل على صيانته وحفظه ، فتنمو نباتات الإجرام التي تنخر في كيانه ، وقد يترتب على ذلك في النهاية تدهور الدول ، أو خضوعها لأعدائها ، أو محو آثارها بالكلية .
ولذلك يؤكد ابن خلدون أن الحاكم " إذا كان قاهراً باطشاً بالعقوبات منقبا عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم ، شملهم الخوف والذل ، ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة فتخلقوا بها ، وفسدت بصائرهم وأخلاقهم ، وربما خذلوه في مواطن الحروب والمدافعات ، ففسدت الحماية بفساد النيات … فتفسد الدولة ويخرب السياج ".
ويقرر ابن خلدون أيضاً أن تعدي الدولة على الرعية يؤذن بخراب الدولة، حيث يقول: " إن التعدي والظلم عائده الخراب في العمران ، وعلى الدولة بالفساد والانتقاض ، وكل من اخذ ملك أحد ، أو غصبه في عمله ، أو طالبه بغير حق ، أو فرض عليه حقا لم يفرضه الشرع فقد ظلم ، ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها ، وهذه هي الحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم ، وهو ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه " .
و تضيع في ظل الاستبداد السياسي مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبالتالي تجد الرذائل سبيلاً مذللاً إلى الانتشار على حساب الفضائل .
تنمو في عهد الحاكم المستبد مشاعر الظلم والقهر ، الأمر الذي يجعل النفوس مترقبة متربصة لاغتنام ما تريده بأساليب الإجرام المختلفة .كما تنمو في ظله الاستبداد الإجرامي ، حيث يرضخ ضعاف الناس لاستبداد المجرمين دون مقاومة ؛ إدراكاً منهم أن السلطة السياسية متغافلة عن الضعفاء ، أو أنها أكثر استبداداً بالضعفاء . كما تنمو في ظله سلبية المواجهة ضد السلوك الإجرامي خوفاً من الوقوع في قبضة أجهزة الشرطة – حتى ولو على سبيل الشهادة – التي تأخذ بالشبهات وسوء الظن ، وتبني تعاملها  على هذا الأساس من باب الاحتياط !! .
وكم في غياهب السجون والمعتقلات وخلف الأسوار من أناس أبرياء أخذوا  بالشبهة فساءت سمعتهم وانهارت بيوتهم ، ثم يفرج عنهم فيتغير مسارهم : إما أن يكونوا سلبيين في مواجهة المجرمين ، حتى لا تضطرهم المقاومة إلى الوقوع في براثن الشبهات ، والدخول في " س " و " ج " وقد تليهما " ن " وأمام هذه السلبية يزداد المجرمون عتواً وطغياناً .
ولعل هذا المسلك المتعسف الذي تأخذ به أجهزة الشرطة مبالغة في أخذ الحيطة والحذر هو الذي يدفع كثيراً من الناس إلى ترك المصابين في حوادث السيارات دون محاولة إسعافهم أو الذهاب بهم إلى المستشفيات .
وإما أن يسلكوا سبيل الإجرام والطغيان وتعلم أساليب الإفلات من قبضة القانون ، والعيش بمنطق " من له ظهر لا يضرب على بطنه " .
وأخير تتعاظم في ظل عهد الاستبداد تتعاظم النزعة الذاتية لدى كل من يتبوأ المواقع القيادية ، حيث يعتبرونها فرصة- قد لا تعوض – لاغتنام المكاسب بأية طريقة قبل ترك الموقع القيادي ، وفي ظل هذه النزعة الذاتية تنتشر الرشوة والاختلاسات وتنحى المصلحة العامة جانباً ، وتنسحب هذه النزعة على القطاع العريض من جماهير الناس فيصاب المجتمع بالقلق والاضطراب .
إذا كان الاستبداد السياسي ذا أثر في انتشار الجريمة فكذلك الضعف السياسي الذي يعني " النقص في عناصر بناء النظام السياسي وسوء أدائه لوظيفته أو تناقض الوظائف التي يقوم بها ، مما يؤدي إلى خلق الظروف المؤدية للجريمة أو المعززة لوجودها واستمرار واتساع نطاقها ".
وغالباً ما ينعكس الضعف السياسي فشلاً في تنفيذ القانون أو ضعفاً في قوة القانون كعنصر أساسي من عناصر الضبط الاجتماعي ، ويترجم هذا الفشل أو الضعف في عدة صور تزيد من نسبة انتشار السلوك الإجرامي ، ومن هذه الصور: إمكان الإفلات من قبضة القانون برشوة الموظفين الرسميين .بالإضافة إلى قيام بعض ذوي الشأن من المسئولين بحماية المجرمين واستغلالهم في أعمال غير مشروعة كالسرقة والبلطجة والتهريب ، أو تحقيق بعض الأغراض السياسية كالدعاية الانتخابية أو إرهاب الخصوم السياسيين . ناهيك عن وضع القيود أمام الأمناء من رجال الشرطة أو رجال العدالة ، ومحاولة التأثير عليهم بما يثنيهم عن تنفيذ القانون أو العدالة في الحكم .
ولا ريب في أن ذلك يؤدي إلى زيادة انتشار السلوك الإجرامي، حيث يتمادى المجرم في إجرامه ، إدراكاً منه لإمكانية الإفلات من قبضة القانون بالرشوة أو بحماية بعض المسئولين ، فلا رادع يردعه حينئذ ، ومن ناحية أخرى قد يلجأ عامة الناس – في ظل فقد الثقة بقوة القانون – إلى حماية أنفسهم بأنفسهم دون اللجوء إلى الجهات الرسمية ، وبالتالي تتزايد جرائم الاعتداء على أنفس الناس وممتلكاتهم ، وتسود القوانين الهمجية كالأخذ بالثأر .
ناهيك عن أنه في ظل الضعف السياسي تتدهور – غالبا – الأحوال الاقتصادية للبلاد ، وينعكس هذا التدهور الاقتصادي على الحالة المعيشية لأفراد المجتمع ، وبالتالي تقوى احتمالات وقوع جرائم الرشوة والاختلاس والسرقة والغصب وتجارة المخدرات وممارسة البغاء والقتل في سبيل الحصول على الأموال !! . ويترتب على ذلك – وهو الأخطر - تطل رؤوس الفتنة التي تضر بمصلحة الدولة ، وتبرز أوكار الرذيلة وبؤر الفساد بشكل رسمي يصيب صرح الفضيلة والأخلاق بصدع تضعف به نظرة الاستنكار للسلوك الإجرامي فيزداد انتشارا .
في ظل الضعف السياسي يضعف إعداد العدة اللازمة لتأمين كيان الدولة فيطمع الطامعون في البلاد، ويبذلون جهودهم لفرض سيطرتهم عليها ، لا عسكرياً فحسب ، بل دينيا وثقافيا وأخلاقيا واجتماعيا … إلخ .
إن الخروج على الحاكم بغير حق خطب جلل يسطر بمداد أسود في صفحات التاريخ السياسي للأمم؛ لما يترتب عليه من آثار تزلزل أمن الأمة واستقرارها ، حيث يفقد القمة العليا للسلطة السياسية هيبتها في نفوس عامة الناس ، الأمر الذي يؤدي إلى انتشار السلوك الإجرامي .ويولد كثيراً من الصدام بين السلطة السياسية والخارجين عليها ، الأمر الذي قد يسفر عن قتل كثير من الأبرياء وانتشار الفوضى التي تمثل تربة خصبة للسلوك الإجرامي . و يوجه جهود السلطة السياسية للقضاء على الفتنة في مهدها قبل أن تأكل الأخضر واليابس ، ويشغلها عن عمليات التنمية والرقي وامتلاك زمام الأمن الداخلي ، الأمر الذي يمهد السبيل لانتشار السلوك الإجرامي .ويزلزل الأمن الداخلي وبالتالي الأمن الخارجي ؛ لأن الجبهة الداخلية إن كانت آمنة مستقرة تفرغت القوى لحراسة الحدود وصد المعتدين ، وبفقد الأمن الخارجي تزداد نسبة انتشار السلوك الإجرامي .
ومن خلال ما سبق من حديث حول الخلل السياسي المتعلق بالراعي والرعية يتضح أن هذا الخلل – الذي يعد من أبرز الدوافع السياسية للجريمة – يدور بين الإفراط  والتفريط ، أو يدور بين نقيضين : استبداد أو ضعف ، وطاعة مطلقة أو خروج على الحاكم.
                                                                         
 
;