السبت، 7 سبتمبر 2013 0 التعليقات

سلسلة (إنها مصر) "4"



أنبياء الله في مصر..هاجر عليهما السلام بنت المصريين القدماء
تمثل السيدة هاجر عليها السلام صورة ما كان عليه قومها المصريون القدماء من توحيد خالص وإيمان عميق، فكانت عليها السلام سيدة عظيمة ومهيبة ([1]) ونبيلة سليلة المجد، ونبتة أرض الإيمان، وكانت واحدة من الحرائر المصريات المؤمنات الموحدات اللاتي وقعن في أسر الهكسوس أولئك البدو الوثنيين الأجلاف، عبدة النجوم والكواكب والأصنام،وكانت عليها السلام من مدينة الفرما تقع على مقربة من عاصمة الهكسوس أواريس([2]).


تزوجت السيدة هاجر عليها السلام بسيدنا إبراهيم عليه السلام وعمرها أربعة عشر عاما([3])، وعندما حملت في نبي الله إسماعيل عليه السلام غارت([4]) منها ضرتها سارة – التي كانت عاقرا – فصبت عليها كل صنوف القهر والإذلال([5]).وتذكر التوراة أن هاجر كانت تشكو ذلتها إلى الله([6]) هكذا قالت التوراة.
إذن لم تشكو السيدة هاجر بنت المصريين القدماء إلى الآلهة، ولم تلجأ إلى صنم، وأنما التجأت في شكواها إلى الله الواحد الأحد..وليس ذلك من تأثير زواجها من نبي الله إبراهيم عليه السلام..فكم من زوجات أنبياء كن كافرات وثنيات، مثل زوجة نوح عليه السلام، وزوجة لوط عليه السلام، يقول تعالى: {..ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ }(التحريم:10).
 إذن لو لم يكن الإيمان متأصلا في نفسها، وضاربا بجذوره في أعماق قلبها من الأصل، ومنذ نشأتها الأولى في وسط أهلها من القدماء المصريين، ولو لم تكن قد نشأت على التوحيد، وتشربته ، لما كان هذا هو مسلكها.
وتذكر التوراة أن الله سبحانه وتعالى قد سمع لشكوى هذه المقهورة الصابرة :"للأن الرب قد سمع لمذلتك.."([7])..فأرسل أحد ملائكته ([8]) يواسيها ويعدها بحسن الجزاء من الله([9]). فأي شرف وأي تكريم بعد هذا؟
فاحتملت الصبية المصرية حتى ولدت إسماعيل عليه السلام، وعندئذ لم تلبث الغيرة أن دبت في قلب السيدة سارة، فأصبحت لا تطيق النظر إلى الغلام، ولا تحتمل رؤية هاجر،وطلبت من سيدنا إبراهيم أن يبعد عنها الطفل وأمه بحيث لا يصل صوتهما إلى سمعها ولا تقع عليهما عينيها.. ([10]).


وتمضي التوراة في استكمال أحداث قصة المصرية الصابرة وتقول:" فبكر إبراهيم صباحا، وأخذ خبزا وقربة ماء وأعطاهما لهاجر واضعا إياهما على كتفيها والولد،وصرفها.." ([11]).
ويواصل المؤرخون رواية ماحدث لحظة أن تركها إبراهيم عليه السلام – هي ووليدها – في الصحراء – بوادي غير ذي زرع – ثم استدار منصرفا:" فقالت هاجر: يا إبراهيم إلى من تكلنا؟.قال:إلى الله..قالت:إنطلق،فإنه لن يضيعنا.." ([12]).
" إنطلق .. فإنه لن يضيعنا.." هذا ما قالته هاجر عليها السلام تلك الصبية المصرية، فهل بعد هذا ثقة في الله وتوكل عليه..كلمات تخرج من هذه الشفاة المصرية دروسا وعبر.امرأة شابة – ومعها رضيعها – تترك وحيدة في صحراء قفراء لا زرع فيها ولا ماء تواجه كل احتمالات الموت البشع،عطشا وجوعا، أو افتراسا من وحوش القفار، أو بلدغة تعبان أو عقرب،أو حتى الموت رعبا عندما يجن عليه ليل الصحراء الموحش..وبرغم هذه الاحتمالات المرعبة، نراها عندما قال لها زوجها:"إن الله هو الذي أمره بذلك "([13]) نزلت السكينة على قلبها، وتفجر إيمانها العميق في كلمات تضرب أروع مثل في تاريخ البشرية للتوكل على الله والثقة المطلقة فيه اللانهائية..أين من يمكن أن يحل بهذا المحل، ويصل إلى هذه الدرجة الرفيعة من الإيمان والتوكل على الرحمن؟
وقد صدق ابن كثير عندما هذا الموقف كثيرا وتأمل فيما نطقت به هذه المصرية طويلا، ثم علق قائلا:"فحاطهما الله – أي هاجر وإسماعيل – بعنايته وكفايته، فنعم الحسيب والكافي والوكيل والكفيل..ولكن أين من يفتطن لهذا السر؟ وأين من يحل بهذا المحل؟ والمعنى لا يدركه ولا يحيط بعلمه إلا كل نبيه نبيل " ([14]).
ويواصل الطبري رواية ماحدث :"..حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى ، فانطلقت فوجد الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل فيه من أحد؟ فلم تر، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة، فقامت عليه ونظرت هل ترى من أحد؟ فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات"([15])..وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم:" فذلك سعي الناس بينهما"([16]).


فلما أشرفت السيدة هاجر عليها السلام على المروة سمعت صوتا، فإذا هي بالملك - جبريل عليه السلام - عند موضع زمزم، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء وجعلت هاجر تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف ([17]). وبعدما ارتوت جلست بجوار بئر زمزم حيث استقرت،وبذلك كانت هذه المصرية أول من أقام واستوطن في مكة.
ثم تصادف – بعد ذلك – جماعة من البدو، فرأو البئر – وللأبار أهمية قصوى في الصحراء – فاستأذنوا هاجر في الإقامة بجوارها، ثم استقدموا بعد ذلك باقي أفراد قبيلتهم، وهكذا تكاثر سكان المنطقة، فأنسوا وحشة هاجر ووليدها، وكانوا أول جيرانها([18]).


ووضع الله في قلوب أولئك البدو مودتها، فحاطوها برعايتهم هي وابنها..ثم امتد ذلك الود إلى ابنها سيدنا إسماعيل عليه السلام فيما بعد.يقول تعالى:{.. رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}(إبراهيم:37).
هكذا نشأة المدينة المقدسة، فكانت هاجر عليه السلام السيدة المصرية نواتها الأولى وأول من سكنها واستطونها وإليها ولطفلها تفجر ماء زمزم .
مكانة فضائل بنت المصريين القدماء عند المسلمين:
السيدة هاجر عليها السلام أثيرة عند الله سبحانه وتعالى، وعزيزة على كل مسلم، فهي زوجة نبي الله إبراهيم عليه السلام، وأم نبي الله إسماعيل عليه السلام، وجدة رسول الإسلام نبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرها حفيدها في مجال التعظيم والتكريم، بل أوصى بإكرام كل أهل مصر إكراما لها، فعن ابن إسحق قال . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إذا فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا ، فإن لهما ذمة ورحما " قال ابن إسحق، فسألت الزهري: ما الرحم التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:كانت هاجر أم إسماعيل منهم.." ([19]).


كما أن السيدة هاجر من آل إبراهيم الذين يذكرهم كل مسلم في كل صلاة، وهي التي يجب أن يذكرها كل مسلم يؤدي فريضة الحج فليتذكر حين يدخل مكة أن أول من سكن مكة واستوطنها السيدة هاجر بنت القدماء المصريين.. وليتذكر حين ينظر إلى الكعبة أن أول مبشرة بإقامتها – من قبل أن تقام – وعرفت مكانها([20]) هي السيدة هاجر بنت القدماء المصريين.. وليتذكر وهو يسعى مهرولا بين الصفا والمروة أن ما يفعله هو محاكاة لما فعلته – لأول مرة – السيدة هاجر بنت لقدماء المصريين.. وليتذكر كل مسلم يشرب من ماء زمزم أن التي تفجر هذا البئر من أجلها هي السيدة هاجر بنت القدماء المصريين، وكانت أول من رأى ماء زمزم، وأول من اغترفت منه وشربت.
إسماعيل عليه السلام في أحضان المصريين القدماء:
لم يعايش إسماعيل أبيه إبراهيم عليهما السلام – الذي تركه في وادي مكة رضيعا ولم يكن يزوره إلا من حين إلى حين([21]).وبذلك نشأ سيدنا إسماعيل عليه السلام في أحضان أمه السيدة هاجر عليها السلام التي هي واحد من نساء المصريين القدماء، ثم لما كبر زوجته أمه واحدة من قومها من القدماء المصريين، حيث تقول التوراة:" وسكن في برية فاران..وأخذت له أمه له زوجة من أرض مصر"([22])، ومن هذه الزوجة المصرية أنجب سيدنا إسماعيل جميع أبنائه الاثنى عشر ([23]).
 

ولم تكن مصر في حياة سيدنا إسماعيل مثلة في الأم والزوجة،وإنما كان يتردد عليها على أرض مصر، ويذكر الكندي في كتابه(فضائل مصر):"دخل مصر من الأنبياء ثلاثين نبيا...منهم إلخ..وإسماعيل بن إبراهيم.." ([24]).وبذلك لم تكن صلة إسماعيل عليه السلام بمصر منقطعة، وإنما كان طيلة حياته في أحضانهم يحيطونه من كل جانب، فهم بالنسبة له: الأم والزوجة والأخوال – أخواله وأخوال أولاده – والأصهار والأصدقاء، فضلا عن أن هذا النبي – جد محمد صلى الله عليه وسلم – في عروقه دماء المصريين القدماء.
وبرغم هذه الروابط القوية بين سيدنا إسماعيل عليه السلام وبين المصريين القدماء، وبرغم أن هناك احتمالا كبيرا أن يكون ملما بلغتهم عن سواء عن طرق أمه أو زوجته أو زيارته، إلا أننا لا نجد في أي مصدر من المصادر – يهودية أو إسلامية – إي ذكر لتوجه سيدنا إسماعيل بدعوته التوحيدية إلى أي واحد من أولئك المصريين القدماء، وذلك لأنهم كانوا جميعا موحدين بالفعل.وإنما كانت دعوته عليه السلام موجهة إلى قبائل جرهم والعماليق التي وفدت إلى مكة،ويؤكد ذلك كثير من المؤرخين منهم ابن كثير:" وكان إسماعيل عليه السلام رسولا إلى أهل تلك الناحية وما والاها من قبائل جرهم والعماليق "([25]).


([1]) الثعلبي:العرائس،ص 47.
([2]) ابن إياس: بدائع الزهور،1/6.
([3]) المرجع السابق،1/80.
([4]) ابن كثير:قصص الأنبياء،1/205.
([5]) التوراة:سفر التكوين:16: 6.
([6]) التوراة:سفر التكوين:16: 13.
([7]) التوراة:سفر التكوين:16: 11.
([8]) عبد الوهاب النجار:قصص الأنبياء،94.
([9]) التوراة:سفر التكوين:16: 10-12.
([10]) أحمد شلبي:مقارنة الأديان،1/135-136.
([11]) التوراة:سفر التكوين:21.
([12]) الطبري: تاريخ الرسل والملوك،1/252.ابن كثير: قصص الأنبياء،1/208.الأزرقي: أخبار مكة،1/55.
([13]) ابن كثير: قصص الأنبياء،1/208.
([14]) المصدر السابق،1/294.
([15]) الطبري:تاريخ الرسل والملوك،1/252.
([16]) الأزرقي:أخبار مكة،1/55.
([17]) الطبري:تاريخ الرسل والملوك،1/252.عبدالوهاب النجار،قصص الأنبياء، ص105.
([18]) الطبري:تاريخ الرسل والملوك،1/256.الأزرقي:أخبار مكة،2/46.
([19]) الثعلبي:العرائس،ص47. الطبري:تاريخ الرسل والملوك،1/247.
([20]) يذكر الأزرقي :"قال ابن جريح: بلغنيأن جبريل عليه السلام حين هزم بعقبه في موضع زمزم قال لأم إسماعيل – وهو يشير إلى موضع البيت - : إعلمي أن إبراهيم وإسماعيل سيرفعانه للناس ويعمرانه..إلخ"الأزرقي:أخبار مكة1/56 وروى ابن كثير نفس القصة انظر:ققص الأنبياء،1/210.
([21]) عبد الوهاب النجار:قصص الأنبياء،ص 106.أحمد شلبي:مقارنة الأديان،1/136.
([22]) التوراة:سفر التكوين:21:31.
([23]) يقول يوسيفوس:" ولما بلغ الصبي إسماعيل مبلغ الرجال زوجته المصرية من قومها، فولدت له اثنى عشر ولدا" نقلا عن العقاد:إبراهيم أبو الأنبياء، ص102.
([24]) نقلا:عن ابن إياس:بدائع الزهور،1/29.
([25]) ابن كثير:قصص الأنبياء،1/296.وانظر:الطبري:تاريخ الرسل والملوك،1/314.الثعلبي:العرائس،ص59.
الخميس، 15 أغسطس 2013 0 التعليقات

«الدعاة إلى الله وفتاوى الكيل بمكيالين»



«الدعاة إلى الله..وفتاوى الكيل بمكيالين»
من يقرأ كتب السير والتراجم للدعاة والعلماء والمفكرين ذوي الاهتمامات المتعددة العاملين في حقل الدعوة الإسلامية في الماضي، يلاحظ دونما تعمق أو إجهاد ذهن شيئا يطبعهم بطابع موحد، وهو ابتعادهم عن " الانتمائية " - اللهم إلا الانتماء إلى الإسلام الذي يؤمنون به ، ويدعون إليه على بصيرة – فهم " حق مشاع " لكل الناس؛ لإن الإسلام الذي يدعون إليه دين ارتضاه الله رب العالمين لكل الناس، وهم دعاة المجتمع البشري على اختلاف الأجناس والألوان، وطبقات والقطاعات،لا دعاة طبقة دون أخرى أو نوع من الناس دون آخر..كان الناس يجلسون إليه فيستمعون منه من تعاليم الكتاب والسنة وإرشادات الإسلام ما يسيغه العقل وينجذب إليه القلب توا، لكونه مجردا عن طابع الانتمائية أو الحزبية التي لا تدع الناس حتى توزعهم في طبقات وتصنفهم في أسر.
أما داعاة اليوم - إلا من رحم ربك – فهم ذو انتمائية أو حزبية أو جماعية، فهم ليس بداعاة للناس جميعا، ولكن داعاة لكيانات لها سياسة خاصة ، ودعاة هذه الكيانات لا تدعو إلى الإسلام الصافي النقي كما نعرفه، لكنهم كأنما يلقون الإيمان أولا بأفكار وتصورات أوحت له بها هذه الكيانات التي التي يعمل لديها، وهي كيانات ملتوية لم يستقم فهمها للدين، تدعي أنها تسعى لتحرير الشعوب العربية من استبداد حكامها في الوقت الذي تضع – بكامل إرادتها - أرضها وسياستها ومقدراتها وشعبها في أغلال وأصفاد السياسة الأجنبية، ألم يقرأ دعاة القوم قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم) [المائدة:51]. إن مثل هؤلاء إيمانهم مهزوز الجذور فقد والوا غير المسلمين وطلبوا من عندهم العزة والمنعة، ومن يطلب العزة من غير الله يذله الله!!.
والدعاة الذين يسلكون هذا المسلك دائما ما يتخبطون في فتاويهم فنرى بعضهم يحلل ما حرم الله فيفتى بإستشهاد من قتل نفسه حرقا بالنار، مخالفا قول النبي صلى الله عليه وسلم :" من قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة " [رواه أبو عَوانة في مستخرجه]. وقوله صلى الله عليه وسلم:" من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجا بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلدا فيها أبداً، ومن شرب سماً فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداُ فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلدا فيها أبدا " [أخرجه مسلم]!!.
ويتخبط هؤلاء الدعاة كثيرا في فتاويهم السياسية والاجتماعية، فيفتى بعضهم بتحريم الدخول في الإنتخابات لأنها غير شرعية، ولم تمر أيام قليلة ويرشح أحد أصدقاء أحد هؤلاء الدعاة نفسه في نفس هذه الانتخابات المصرية، ومجددا تصدر – من خلال هؤلاء الدعاة - فتوى عكس السابقة تماما تقضي بوجوب المشاركة في الانتخابات، بل جعلها " شهادة واجبة " يأثم كاتمها، مع العلم أن هذا المرشح كان قد أنشق عن الجماعة التي ينتمي إليها هؤلاء الداعاة، ولما جانب التوفيق هذا المرشح، ونجح مرشح جماعته في الانتخابات، فرحوا وهللوا ونسوا تماما بأنهم – على أحد مواقعهم الالكترونية- قد شبهوا قادة هذه الجماعة - بما فيهم المرشح الفائز – بأنهم كالنطيحة والمتردية وغير ذلك من أوصاف!!.
ونرى أحدهم يفتي بالخروج على الحكام منذ بدأت اشتعال الثورات العربية بل كان يستعدي الغرب وأمريكا بالخصوص،على الدول العربية فرأينا ذلك مع حاكم ليبيا وما حاكم سوريا،لقد مات من المسلمين مايربوا عن مئتي ألف بسبب فتاويه المضللة، والشيء الذي يطير العقل أن الشعب المصري عندما خرج على حاكمه السابق،أفتى بحرمة الخروج عن الحاكم المسلم، واستعدى العالم من شرقه وغربه على شعب مصرالذي - للأسف – ينتمي إليه!!.
حرام على مثل هذا النفر من الدعاة الذين يقودون سفينة الأمة فكريا وعقديا وإصلاحيا وتوجيهيا أن يكونوا أولي " انحيازية " ممقوته لا يعرفها الإسلام، أو حزبية أو جماعية ليس لها قيمة في ميزان الإسلام، وما عرفها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، أو يتعصبوا لحزب ما أو جماعة ما عصبية منتنة ندد بها نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم.
ترى ماذا تجني الأمة الإسلامية من مكسب مر، إذا كانت عقولها المفكرة وقلوبها النابضة – وهي طبقة الدعاة والمفكرين – تتصف بضيق الصدر والأفق، ويدعو العالم منها إلى حزب أو جماعة أو أكثر من أن يكون داعيا إلى الله وإلى الدين الإسلامي؟!!.
ونصيحتنا لدعاة هذا العصر المائج بالخلافات والحواجز: لن يستطيع الداعية أن يؤدي دوره إلا إذا كان فوق كل الانتماءات، حتى يكون الداعية مكتملا، ومحببا لدى كل الناس، وإلا فسيؤدي نشاطه إلى نتائج عكسية في كثير من الجوانب تضر الأمة ولا تنفعها، وتفرقها ولا توحدها.


                                                 د/عبدالوهاب القرش
                                              دكتوراه في العلوم الإسلامية
الثلاثاء، 13 أغسطس 2013 0 التعليقات

معوقات في طريق المصالحة الوطنية


«معوقات في طريق المصالحة الوطنية»
بعد عزل الرئيس محمد مرسي اندلعت الكثير من الاحتجاجات والمظاهرات وأقيمت الاعتصامات، تخللها كثير من انتهاكات على الممتلكات العامة والخاصة، وكان لها أثرها في سقوط الكثير من الضحايا، واستمر الحال أكثر من أربعين يوما بعدها اضطرت الحكومة المصرية إلى فض الاعتصامات وسقط ضحايا آخرون من المعتصمين ومن مفضي الاعتصام، ومنذ عزل الرئيس مرسي وحتى الآن تسعى الدولة جاهدة إلى الدعوة للمصالحة الوطنية، ورغم ذلك لم تنجح لوجود عوائق كثيرة،منها على مستوى الدولة ومنها على مستوى المجتمع.والجماعات الدينية.
أما على مستوى الدولة فتوجد قيود على بعض مسائل الحوار وموضوعاته، فالدولة هي الطرف الأقوى سلطاناً ومالاً ونفوذاً، ولذا يتم كبت المعارضة ولو كانت على حق في بعض ما تدعو إليه أو تطالب به، ومن ثم تفرض الدولة الحلول الأمنية بوصفها أسهل الحلول لديها، ولكن المعالجات الأمنية لا تحل المشكلات بل تؤجلها وتدفع إلى العمل السري المختفي عن أعين الدولة، ومن ثم تنشأ المشكلات التي تعاني المجتمعات المسلمة من ويلاتها حتى اليوم.
أما على المستوى الاجتماعي فنجد هذه القيود نفسها من الطرف الأقوى، على مستوى الأحزاب والجماعات والقبائل والأسر.. ثمة أنواع من الضغط وإهمال الحوار والتشاور والتفرد باتخاذ القرار، وهذا كله مخالف للمنهج الإسلامي في الحوار قرآناً وسنة.
أما على مستوى الجماعات الدينية التي تسمى" الأصولية " وهي الداعية صراحة إلى العودة إلى أصول الإسلام الصافية، مع اختلاف مناهجها في تحقيق تلك الدعوة، هذه الجماعات تتمسك بأصول ثابتة ترى فيها الحق كله ولا تبيح أو تقبل ما سواها، والنخب السياسية لدينا منفتحة على العالم بفعل الاحتكاك المباشر بغير المسلمين، وكثير من هذه النخب يرى التمسك بتلك الأصول التي تدعو إليها الجماعات الدينية، يرى ذلك عبئاً عليه، وقد يعرضه للمساءلة أمام الشعوب أو الاتهام بالأصولية من جانب غير المسلمين، وهي أمور تكرهها النخب السياسية لا ريب، ولهذا تترك هذه النخب معالجة المسألة برمتها - مسألة الصدام مع الجماعات الدينية - تتركها للمحور الأمني ليتعامل معها دون فتح حوار معها، وهو تعامل بتفويض مطلق ومسبق من النخبة السياسية بإطلاق يد الأمن في التعامل بدون حدود أو قوانين ضابطة، ومن ثم يقع الصدام والتناحر، إنها حلقة مفرغة كان من الممكن أن يكون للحوار دور في إصلاحها، ولكن ذلك لـمّا يحدثْ !
أضف إلى هذا أن الأطراف القوية في المعادلة عادة ما تفرض شروطاً مسبقة للحوار، مما يجهض عملية الحوار ابتداءً، ويخرج المسائل الجوهرية المراد النقاش حولها من دوائر الحوار. كما أن النخب السياسية قد ترى نفسها مشغولة بأمور كثيرة وواقعة تحت ضغوط دولية شديدة لا يشعر بها عامة الناس.
يا سادة إننا بحاجة إلى حوار جاد مع الذين لم يحملوا السلاح ولم يحرضوا على القتل من هؤلاء، أما الذين حملوا السلاح وخرجوا على الحكام فلهم شأن آخر وهو المثول أمام القضاء العادل والعاجل. 
أيها المسلمون: من المعلوم في القرآن والسنة أنه لم تكن ثمة موضوعات خارج نطاق الحوار أو التفكير الإنساني، فكل شيء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته بل خاصة أمره كان قابلاً للنقاش والحـوار، والسنة والسيرة النبوية مليئة بالأخبار. ومن أمثلة ذلك - وهو من أعجب ما نراه في السنة - هذا الحوار الداخلي بين الإنسان ونفسه، وهو - وإن كان فيه وسواس من الشيطان - فإنه حوار داخلي يبين بجلاء أنه ليس هنالك ممنوعات في الحوار ؛ لأن الحوار يظهر الحق جلياً، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" لا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ " (رواه مسلم) هذا أخطر أمور الحياة كلها وجوهر الوجود: التوحيد، ومع ذلك فهو قابل للتساؤل والحوار لإظهار وجه الحق لا للاستمرار في الشك، والحوار حول التوحيد في القرآن كثير كما هو معلوم والحق في نفسه لا يضره النقاش حوله لأنه يزيده وضوحاً وبياناً، وإنما يخاف من ذلك ضعيف الحجة فاقد البيّنة، وإذا كان هذا في شأن العقيدة، فما ظننا بما هو أقل منها من مسائل الحياة والمصالح الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ؟ لماذا نجد كل هذه الملفات المغلقة والمسكوت عنها في جوانب شتى من حياتنا الإسلامية المعاصرة؟
  هذا هو الإسلام وهذه حياتنا، والفلاح لا ريب سيكون بعرض حياتنا هذه على الإسلام وضبطها على موازين الشرع.
إن الأسس المشتركة لإجراء الحوار متوفرة لا ريب، وهي الأسس المكونة لحضارتنا العربية الإسلامية، لكن الرغبة الحقيقية في الحوار غير موجودة - فيما نظن.
إن مشكلات التطرف والإرهاب في مصر وفي كل البلاد العربية والإسلامية، يمكن معالجة كثير منها بالحوار الهادئ البناء المبني على الأسس المتفق عليها لثقافتنا، ولكن بين مَنْ ومَنْ يكون الحوار؟.

أليس من الأفضل إذاً أن نعود إلى أصولنا الحضارية نستمد منها مبادئ الخير الذي أكرمنا الله به ؟ ألم يأمرنا ربنا بالتحاور والتعارف ونبذ الخلاف والصراع ؟ ألم تكن تلك هي سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟
                                          د/عبدالوهاب القرش
                                         دكتوراه في العلوم الإسلامية



الجمعة، 2 أغسطس 2013 0 التعليقات

سلسلة (إنها مصر) "3"


أنبياء الله في مصر.. إبراهيم عليه السلام
ولد إبراهيم عليه السلام في بلدة (فدام فرام) في مدينة (أور) بجنوب العراق في بلاد بابل عام (1996 ق م) ويرجع نسبه إلى سام بن نوح عليه السلام([1]) ،وهو بذلك نبي من الأنبياء الساميين، ونسبه القريب يرجع إلى القبائل الآرامية([2])، وفي التوراة يصفه حفيده يعقوب عليهما السلام بأنه:" الآرمي التائه "([3]) وكان إبراهيم عليه السلام يتكلم اللغة الآرامية التي تتكلم بها كل القبائل العراق والشام([4]) فكان إبراهيم عليه السلام آرامي الجنس واللغة.
وكانت القبائل الآرامية من أهل بابل في زمن إبراهيم عليه السلام يتخبطون في ظلمات الشرك والوثنية فعبدوا الأصنام والكواكب من دون الله، وعظموا ملكهم النمرود بن كنعان الذي نصب نفسه إلها وأمرهم بعبادته([5]). وكان آزر والد إبراهيم يعمل نحاتا يصنع التماثيل والأصنام ويبيعها للقوم([6]).


كانت هذه حالة القبائل الآرامية التي شاركت - فيما بعد – في تكوين جحافل الهكسوس (العماليق)([7])..وكان من بين هذه القبائل البدوية الرعوية شاب آرامي راعي غنم اجتباه الله واصطفاه لهداية أولئك الكفرة المشركين المفسدين،وكانت أول خطوة في لإعداد الله سبحانه وتعالى لإبراهيم، هي إلهامه بفكرة التوحيد،فبدأ بالتفكير فيما حوله من ملكوت السماوات والأرض، وبدأ يشتعل في عقله التساؤل: من خلق هذه الحياة؟ تأمل في النجوم والكواكب في السماء، وتذكر أصنام قومه عديدة الأسماء، من يا ترى من بين كل هؤلاء هو الإله؟ وهل هو واحد أم أنهم شركاء؟ وهل وهل وهل؟ آلاف أسئلة تشغي وتزداد اشتعالا ، وتكاد الحيرة تقتله، وأدركته رحمة الرحمن العليم، فأتاه رشده واهتدى : {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ}(الأنبياء:51).
لقد كان وحى الله سبحانه وتعالى لإبراهيم عليه السلام بأن الله واحد أحد فرد صمد بمثابة شعاع النور الذي غمر قلبه وأضاء عقله وسط الظلام الكثيف للكفر والشرك ودنس الوثنية.
بدأت رحلة إبراهيم عليه السلام في إخراج الناس من هذا الفساد العقدي والشرك والوثنية وعبادة الكواكب إلى عبادة الله عز وجل.وكان آنذاك يناهز العشرين من عمره([8]) أو نحو ذلك([9]).
وكان أبيه آزر هو الهدف الأول لإبراهيم عليه السلام في الدعوة إلى عبادة الله، لأن أبيه هو أحق الناس بإخلاص النصيحة له، وفي هذا يقول تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً* إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً؟!..إلخ.. يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً}(مريم:41-44 ).كما نهاه عن عبادة الأصنام{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}(الأنعام:74).
ثم امتد نصح إبراهيم عليه السلام ليشمل أبيه وقومه من البدو الآراميين {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ}(الصافات:85-86).
ثم قال لما يئس من إستجابتهم لدعوته {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ *أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ}(الأنبياء:66-67).
وفي نهاية مرحلة دعوة إبراهيم أبيه وقومه في أور لم يؤمن به أحد، وهذا دليل قاطع على تأصل الكفر والوثنية في نفوس أولئك البدو من الآراميين وغيرهم، ولم يكتف هؤلاء الكفرة الغلاظ برفض الدعوة وفقط، بل قرورا قتل إبراهيم عليه السلام حرقا { قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}(الأنبياء:68).لكن نجاه الله منهم ومن كيدهم{قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ}(الأنبياء:69-70).


وبعد هذه المحنة والمنحة فر إبراهيم بنفسه وبدينه إلى مدينة حران بأقصى شمال سوريا([10]).وكان أهل حران من البدو الآراميين – أيضا – وكانوا يعبدون الأصنام والكواكب([11]) وتذكر التوراة أن:"إبراهيم قد مكث في حران –وسط الوثنيين المشركين –حتى بلغ عمره (75) سنة "([12]). وخلال هذه الفترة تزوج إبراهيم عليه السلام من السيدة سارة الآرامية، وهي من حران ([13]).
وبالرغم من هذه المدة الطويلة التي قضاها إبراهيم عليه السلام في حران – حوالي نصف قرن- لم يستجب لدعوته إلا اثنين فقط زوجته سارة، وابن أخيه لوط ([14]).وهذا تأكيد على تأصل الكفر والشرك في نفوس البدو الآراميين وغيرهم في حران أيضا.


انتقل إبراهيم عليه السلام من حران إلى فلسطين ولم يمكث بها إلا فترة قصيرة جدا([15])، فانتقل إبراهيم إلى مصر- وكانت بصحبته زوجته سارة -، وكان المسيطر على أمور مصر آنذاك أول ملوك العماليق الهكسوس([16]) ويدعى سنان([17]).
ومن الطبيعي أن يكون إبراهيم الآرامي الجنس واللغة مبعوثا إلى أولئك الهكسوس الذين كانونا من القبائل الآرامية، وغيرها مما يقاربها في الجنس واللغة، والقرآن الكريم يؤكد أن الله سبحانه وتعالى إذا شاء أن يبعث رسولا إلى قوم لابد أن يكون منهم من نفس جنسهم، يقول تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً}(النحل:36) ويتحدث بنفس لغتهم:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}(إبراهيم:4).إذن لا شك أن إبراهيم عليه السلام كان مبعوثا إلى أولئك البدو الهكسوس، لإخراجهم من ظلمات شركهم ووثنيتهم إلى عبادة الله، وقد توجه بدعوته إلى ملك الهكسوس عندما التقى به ([18])،على أن دعوة إبراهيم كانت موجهة - ومركزة على وجه الخصوص – إلى أولئك الهكسوس المقيمين خارج مصر،إذ أن إقامته بمصر لم تستمر إلا سنوات قلائل([19]).
كما أن دعوة إبراهيم عليه السلام لم تكن موجهة –أيضا – إلى المصريين القدماء، وهذا أمر منطقي فيكفي عائق اللغة وحده ليؤكد ذلك، فيقول تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}.
وهذا الأمر له دلالة هامة، فلو كان القدماء المصريين آنذاك مشركين وثنيين، لبعث الله الرسل إليهم لهدايتهم، كما بعث إبراهيم عليه السلام إلى أولئك البدو المشركيين الوثنيين لهدايتهم إلى التوحيد..لكن ذلك لم يحدث لسبب بسيط، هو أن المصريين القدماء كانوا في عهد إبراهيم ومن قبل من الموحدين بالفعل، ومن المؤمنين حق الإيمان، وكانت كلمة الله عندهم هي القوة التي تفعل ما تريد.
وينقل العقاد عن المؤرخ اليهودي يوسفيوس أن إبراهيم عندما جاء إلى مصر، كان من أهم أهدافه الالتقاء بكهنة المعابد المصرية، لسماع ما يقولونه عن الإله الواحد..وكان في نفس إبراهيم، إذا علم من كلامهم خير مما عنده أن يتقبله([20]).


عاد إبراهيم عليه السلام إلى فلسطين، حيث استقر هناك إلى آخر أيام حياته. أقام إبراهيم عليه السلام في فلسطين جيث تموج بالقبائل الآرامية التي من نفس جنس ولغة قبائل الهكسوس في مصر، ووسط هذه القبائل أخذ يدعو إلى عبادة الله ونبذ عبادة النجوم والكواكب والأوثان، وبدأ بعشيرته الأقربين من الآراميين، فمنهم من آمن واستجاب وسار من أتباعه، ومنهم من أعرض وعصى{..وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ*رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }(إبراهيم:35-36).



([1]) ابن كثير:قصص الأنبياء، ص79.
([2]) يؤكد المؤرخون أن القبائل الآرامية ترجع إلى الأصل العربي فهي والعرب البائدة أو العرب العاربة من أصل واحد،ووكان موطنهم الأصلي بادية الشام والهلال الخصيب أي (سوريا ولبنا وفلسطين،وشرق الأردن والعراق) وهناك إشارة إلى مدينة تدعى آرامي وإلى أشخاص يحملون اسم آرامو في المخطوطات الأكادية،ومخطوطات سلالة أور الثالثة، وفي مدونات المملكة البابلية القديمة.انظر:أحمد سوسة: تاريخ وادي الرافدين،2/335.جورج رو:العراق القديم،368؛
([3]) نقلا عن أحمد سوسة:ملامح من التاريخ القديم ليهود العراق، ص16.
([4]) غضبان الرومي:الصابئة ،ص 107.
([5]) جورج رو:العراق القديم،ص362.
([6]) عفيف طبارة: مع الأنبياء، ص 107.
([7]) عماليق:لفظ مركب من مقطعين:الأول:عمو: أي البدو وهو الأسم الذي أطلقه المصريون القدماء على البدو القاطنين بالشام وبلاد الرافدين (العراق)؛الثاني:ليق:مصطلح آرامي يرتبط بالجنود، وفي حضارات العراق القديم كان يتم تجنيد البدو للعمل كفرق من الجنود المرتزقة في خدمة الدولة،أي أن مصطلح (العماليق)يشير باختصار إلى (الجنود البدو).للمزيد انظر: لويس عوض:مقدمة في فقه اللغة العربية،ص271؛بدوي و هيرمان كيس:قاموس،ص33؛جارندر:مصر الفراعنة،ص163؛نعمات فؤاد:شخصية مصر،2/293،طه باقر:مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة،1/407،411؛سامي سعيد:العراق القديم،1/289.
([8]) غضبان الرومي:الصابئة، ص78.
([9]) الثعلبي:العرائس، ص46.
([10]) الطبري:تاريخ الرسل والملوك،1/244.
([11]) ابن كثير:قصص الأنبياء،1/176.
([12]) التوراة:سفر التكوين:12: 4.
([13]) الطبري:تاريخ الرسل والملوك،1/244.
([14]) ابن كثير:قصص الأنبياء،1/177،201.
([15]) عبد الوهاب النجار:قصص الأنبياء،ص84.
([16]) الهكسوس:تعني حكام البدو أو الملوك الرعاة، وكانوا خليطا متحالفا من قبائل مختلفة الجنسيات أحداها القبائل الآرامية،أنظر:عزة دروزة:تاريخ الجنس العربي2/119؛موسوعة وصف مصر2/331؛لويس عوض:مقدمة في فقه اللغة العربية/ص272؛جرجي زيدان:تاريخ الجنس العربي،4/272؛عبد الفتاح الزهيري:الموجز في تاريخ الصابئة،ص38.
([17]) الطبري:تاريخ الرسل والملوك،1/194؛ابن الظهيرة:الفضائل الباهرة،15؛ محمود بن الشريف:الأديان في القرآن، ص109.
([18]) ابن إياس:بدائع الزهور،1/79-80.
([19]) الطبري:تاريخ الرسل والملوك،1/247-248؛ابن كثير:قصص الأنبياء/1/204.
([20]) العقاد:إبراهيم أبو الأنبياء،ص 97.
الأربعاء، 10 يوليو 2013 0 التعليقات

« أيها السادة نحن في حاجة إلى إحياء هذه النخوة»



« أيها السادة نحن في حاجة إلى إحياء هذه النخوة»
النخوة والإباء، والعاطفة الجامحة، والحمية المشتعلة، والغيرة الدافقة، وأمثالها من الصفات المتقاربة التي كانت من ميراث العرب، كالصفات الأخرى الكثيرة، مثل الشجاعة والمروءة والفخر والرجولة، وقري الضيف وما إليها؛ وكانت كلما ذكرت تبادر الذهن عفوا العرب كأنه كانت لا توجد إلا فيهم.
إن حياة العرب - كما جاء في كتب السيرة النبوية - زاخرة بمواقف النخوة والإباء والحمية ، ولم يعرف التاريخ أشد احتفاظا بالخصائص والعادات والتقاليد من العرب، ومن المواقف المستطرفة المعروفة في هذا الباب عندما اهتزت ضمير هشام بن عمرو ابن ربيعة العامري الذي أنكر مقاطعته لبني هاشم وحصارهم في الشعب وكان من قبل قد تورط في التعاقد عليه منفعلا بعاطفة الجماعة وغريزة القطيع. وقد دأب طول مدة الحصار، على أن يصلهم. فكان يأتي ليلا بالبعير قد أوقره طعاما أو ثيابا، حتى إذا بلغ به مدخل الشعب خلع خطامه من رأسه وضربه على جنبه، فيدخل البعير الشعب على من فيه، بما يحمل.
فلما طال عليهم جهد الحصار، أجمع هشام بن عمرو وزهير بن أمية ومعه أربعة من قريش هم والمطعم بن عدي وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود، فشقوا صحيفة هذه المقاطعة وأعلنوا نقضها، فلما أصبحوا وغدت قريش إلى أنديتها، غدا (زهير) عليه حلة، فطاف بالبيت العتيق سبعا ثم أقبل على الناس فقال:" يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباع لهم ولا يبتاع منهم ؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة ".
صاح أبو جهل بن هشام، وكان في ناحية من البيت الحرام:" كذبت، والله لا تشق ".
فرد عليه زمعة بن الاسود:" أنت والله أكذب، ما رضينا كتابها حيث كتبت !" وثنى أبوالبختري:"صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقره ".
وأيدهما مطعم بن عدى:" صدقتما، وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها ".
وتكلم هشام بن عمرو، فقال نحو ما قالوا.
وبهت أبو جهل، والأصوات تأتيه من كل ناحية بالتكذيب والرفض، فنقل بصره حائرا بين هؤلاء الرجال الخمسة، ثم لم يجد في أخذة المباغتة بموقفهم سوى أن يقول:" هذا أمر قضي فيه بليل، تشوور فيه بغير هذا المكان ".
لم يلقوا إليه بالا، وقام المطعم على مرأى من الجمع، وأبو طالب هناك قد انتحى ناحية من المسجد - فانتزع الصحيفة من مكانها في جوف الكعبة ليشقها، فإذا بالارضة قد أكلتها وأتلفتها، لم تدع منها إلا كلمة: (باسمك اللهم) !.
وحينئذٍ خرج بنو هاشم وبنو المطلب من هذا السجن الضيق المميت إلى معترك الحياة، ضاربين في الإخلاص لمحمد -صلى الله عليه وسلم- أروع الأمثال، محتملين من التضحية ما ينوء بالأبطال.
كان العرب بفضل هذه النخوة والغيرة والإباء والحمية، يعيشون متسامين عن كل معاني الخزي والعار، بعيدين كل البعد عن معاني الاحتواء والتبعية ومحاولات التطويق والتطويع وهدم الذاتية.
وجاء الإسلام فلم يقض على هذه النخوة والحمية والإباء وما إليها من المعاني النبيلة، بل سخرها في خدمة الرسالة الإلهية وفي صالح البشرية جمعاء، واستغلها في تدعيم الدعوة الإسلامية وزيادة مفعولها.
وأكبر خسارتنا اليوم هي في تجريدنا عن هذه المعنويات وامتصاص حميتنا وغيرتنا، من خلال مخطط مبيت شامل لنزعنا من أحضان عقيدتنا، وجعلنا بحيث تخطفنا الطير أو تهوي بنا الريح في نكان سحقيق، وصرنا لا يهزنا " تأديب " ونلدغ من الجحر الواحد مرات لا تحصى ولا تعد.
والنفوذ الأجنبي - بتعدد أجناسه وأشكاله وأوطانه – قد نصب – من أجل الاستمرار في القضاء على البقية الباقية من معنوياتنا – فخه في داخل صفوفنا بالإضافة إلى إلى الضربات الموفقة من الجبهات الخارجية التي استطاعت تمزيق الجيش العراقي ومن بعده الجيش الليبي والآن مع الجيش السوري. وحتى هذه اللحظة فشلت كل مخططات الغرب في القضاء على الجيش المصري أو جره إلى مثل هذا المستنقع الدامي، وكان ذلك بعناية الله أولا وأخير ثم بوقوف الشعب المصري وراء جيشه ثم بوقوف قيادات عربية حكيمة مثل السعودية والإمارات والكويت والبحرين والأردن فقطعت كل شباك الفخ الغربي للجيش المصري زاده الله عزة وقوة ومنعة.
ألم ينتبه القادة العرب – حفظهم الله – بأنهم عندما استخدموا ما لديهم من مصادر القوة التي توفرها لهم الطاقة والتفوق البشري كان ذلك ضمانا كافيا لانتصار الجيش المصري في حرب 1973م، وفي هذه الفترة الحاسمة في التاريخ المصري عندما قالوا للغرب - في صوت واحد -:" لا للتدخل في الشأن المصري" توقف كل شيء واستقلت مصر بشئونها الداخلية.
نحن في هذه المرحلة الحاسمة الخطيرة، والحاسمة الفاصلة بأمس الحاجة إلى إحياء هذه النخوة والإباء؛ لأنه:
متى تجمع القلب الذكي وصارما        وأنفا حميا تجتنبك المظالم
وذلك بالعودة إلى الإسلام الذي يأبى لأبنائه جميع معاني الذل والخزي والعار، ويربي فيهم معاني الحمية والإباء والغيرة على أصدق صورها.

                                        د/عبدالوهاب القرش
                                        دكتوراه في العلوم الإسلامية


 
;